الرئيسيةالبوابةاليوميةبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د:محمد جمال صقر
كاتب التلال


عدد المساهمات : 5
تاريخ التسجيل : 01/09/2010

مُساهمةموضوع: مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ   الأربعاء سبتمبر 01, 2010 7:32 pm

مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بِلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ
للدكتور محمد جمال صقر
mogasaqr@yahoo.com

ــــــــــــــــــــ
في خلال شهر مايو من سنة 2007 الميلادية ، أرسل إلي عن بريدي الألكتروني ، أخي الكريم الأستاذ الدكتور يوسف عبد الفتاح فرج ، نص دعوة ألكترونية عامة من " اتحاد المدرسين للغة العربية بأندونيسيا ( IMLA ) " ، إلى مؤتمره الدولي ، بجامعة باندونج التربوية - قائلا :
- ربما أحببتَ أن تشارك !
ولم أحب أن أشارك ؛ فالمكان بعيد ، والسفر طويل ، والزاد قليل ، والرحيل شديد !
ولكنني كان لي بحث قديم ( مَهارَةُ الْكِتابَةِ عِنْدَ طُلّابِ قِسْمِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ الْمُعَلِّمينَ ) ، أهملته من اعتبارات الأبحاث ، وعددته في طائفة الكتب التعليمية ، لم أزل أراه حسن الطالع ، طيب الأثر ؛ فخطر لي لو أرسلت ملخصه المجهز الآتي ، طالبا المشاركة بلا حضور ؛ فاستثمرت حسن طالعه ، وطيب أثره :
" أَرَدت أَنْ أَقِفَ عَلى حَقيقَةِ حالِ تَلامِذَتي طُلّابِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ بِجامِعَةِ السُّلْطانِ قابوسَ ؛ ففاجَأْتُهُمْ بِنَصَّيْنِ مِنَ الشِّعْرِ الْعَرَبيِّ حَمَلْتُهُمْ عَلى أَنْ يَنْقُدوهُما ، ثُمَّ نَقَدْتُ نُقودَهُمْ لَهُما مِنْ حَيْثُ مُفْرَداتُ تَعْبيرِهِمُ الْكِتابيِّ عَمّا يُريدونَ وَمِنْها مَسائِلُ خَطّيَّةٌ صَريحَةٌ كَالْإِمْلاءِ وَالتَّشْكيلِ وَالتَّرْقيمِ ، وَمِنْ حَيْثُ رَسائِلُهُمُ الَّتي عَبَّروا عَنْها وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَفْكيريَّةٌ صَريحَةٌ ، دونَ أَنْ أُؤَخِّرَ مَسائِلَ مُفْرَداتِ التَّعْبيرِ بِزَعْمِ أَنَّها ظاهِريَّةٌ شَكْليَّةٌ مادّيَّةٌ عَنْ مَسائِلِ الرِّسالَةِ بِزَعْمِ أَنَّها باطِنيَّةٌ مَضْمونيَّةٌ مَعْنَويَّةٌ ، مُؤْمِنًا بِامْتِزاجِ الظّاهِرِ وَالْباطِنِ .
لَقَدْ كانَ ذلِكَ تَجْرِبَةً طَريفَةً مُثيرَةً ، وعَويصَةً مُعَنِّيَةً ، شَغَلَتْ هذا الْبَحْثَ كُلَّه ، ثُمَّ أَفْضَتْ إِلى اسْتيضاحِ مَظاهِرَ مِنَ الْكَسَلِ مُتَظاهِرَةٍ عَلى عَدَمِ تَدْقيقِ اسْتِعْمالِ مُفْرَداتِ التَّعْبيرِ الْكِتابيّ وَعَلى عَدَمِ التَّأَتّي إِلى اسْتيعابِ الرِّسالَةِ الْوارِدَةِ ، رُبَّما كانَتْ شائِعَةً مُتَداوَلَةً في مَجالاتٍ أُخْرى مِنَ الْعَمَلِ الْماديِّ ، لِاسْتيلاءِ نَمَطٍ ما مِنَ الْعَيْشِ عَلى النّاسِ ، وَلكنَّها غَيرُ شائِعَةٍ وَلا مُتَداوَلَةٍ في مَجالاتِ الْعَمَلِ الثَّقافيِّ .
لَقَدِ اجْتَهَدْتُ أَنْ أَتَأَمَّلَ تَلامِذَتي وَنَفْسي حينَ كُنْتُ في مِثْلِ حالِهِمْ ؛ فَأَضَفْتُ طَرَفًا مِنْ خِبْرَتي بِفَلْسَفَةِ التَّعْليمِ وَسِياسَتِه ، لا أَجِدُ لَه عادَةً مَجالًا ؛ فَكانَتْ في إِنْجازِ هذا الْبَحْثِ راحَةٌ كَبيرَةٌ ، ثُمَّ رِسالَةٌ خَطيرَةٌ إِلى الْقائِمينَ مَعي عَلى هذا الْأَمْرِ " .
أجابني شخص اسمه أندي هادي ( مُخْتَصَر هاديانو ، أو مُدَلَّلُه ) ، بترحيب لجنة المؤتمر الشديد ، وألحق برسالته رسالتين : واحدة إلى رئيس جامعة القاهرة ، من الدكتور محمد لطفي زهدي ، رئيس " اتحاد المدرسين للغة العربية " ؛ يرجوه فيها أن يشركني ببحثي المذكور ، ويشير إلى ضرورة أن تَتَكَفَّلَ جامعة القاهرة بنفقة السفر والإقامة ورسم المؤتمر - وواحدة إليَّ ، من الدكتور دودنج رحمت هدايت ، رئيس المؤتمر ، ينبهني فيها على قبول البحث من لجنة المؤتمر ، ويدعوني إلى الحضور وإلقاء البحث ، فيما بين 23و25/8/2007م !
عجبا لهم ؛ أطلب منهم المشاركة بنص البحث بلا حضور ، فيجيبونني إلى الموافقة على المشاركة بنص البحث ، والحضور به ، وإلقائه !
أهو نقصان عروبتي أم كمال عجمتهم !
كلمت في ذلك أستاذي الدكتور شعبان صلاح ، وكيل كليتي للدراسات العليا والبحوث ، فنبهني على أن الجامعة تتكفل بتكاليف المشاركة في مثل هذه المؤتمرات ، وأنني يمكنني أن أتقدم بطلب إلى القسم يستمر منه إلى مجلس الكلية ؛ حتى يصل إلى رئيس الجامعة ، ألحق به صورتي هاتين الرسالتين .
وافق الدكتور حسام كامل ، نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا والبحوث ، على سفري ، وقرر معاونتي بعشرة آلاف جنيه ، تتم بعد الإياب تَسْوِيَةُ أمرها ؛ فابتهجت بذلك ، ورأيته من تكريم الجامعة ، أن تبذل لسفري هذا المبلغ الكبير - فلم يسبق أن اعتمدت عليها ولا على غيرها ، في مثل هذا الأمر - ولا سيما أنها كانت كَرَّمَتْني قريبا بجائزتها التشجيعية في العلوم الإنسانية والتربوية ( عشرة آلاف جنيه ) !
كففت وقتا عن الحركة في سبيل السفر ، ثم نشطت لحجز التذكرة ، فكلمت شركة مصر للطيران عن خطها الساخن ، وحجزت مقعدا لنفسي بطائرة الثانية عشرة وعشر دقائق من ليلة 22/8 ، موعد ذهاب ، والثانية والنصف من بعد ظهر 25/8 ، موعد إياب ، أطير في الذهاب من القاهرة إلى سنغافورة ، ثم من سنغافورة إلى جاكرتا ، ثم أعكس ذلك في الإياب . ثم رأيت أن أسأله عن ثمن تلك التذكرة الكاملة بذهابها وإيابها ، فكان 13219ج !
نويت أن أهمل السفر ؛ ولا سيما أنني إنما أقدمت عليه هازلا ؛ إذ كيف لي أن أقتطع من دخلي المحدود الذي لا أكاد أدخر منه شيئا ، مبلغ الـ3219ج فرق ما بين مساهمة الجامعة وثمن التذكرة ، ومبلغ الـ 150$ قيمة الاشتراك المذكورة من قبل ! فكنت أكلم في نيتي هذه الناس ، فلا يبالي أي أحد ، إلا السيدة الأستاذة أختي :
- ادفع أنت هذا الفرق ؛ فما ستستفيده أكبر – إن شاء الله – مما ستدفعه .
ولكنني لم أبال بكلامها ، وراجعت مسؤولة قسم المالية ، لأخبرها بنيتي ، فذَكَّرَتْني وجوب الاعتذار الرسمي عن ذلك الذي وافقوا لي عليه ، ثم ذكرت لي أن هذا المبلغ هو فيما تعلم ، الحدُّ الأقصى ، ولكنني ربما أستطيع تحريكه إذا راجعت قسم العلاقات الثقافية .
ذكر لي المسؤول بإدارة العلاقات الثقافية بجامعة القاهرة ، أن مبلغ عشرة آلاف الجنيه هذا ، أقصى ما تساهم به الجامعة ، فذهبت عنه مرتاحا إلى نية الاعتذار ، ولكنني قابلت في طريقي مسؤولا آخر كان ذُكر لي ، فكلمته في مشكلتي غير عابئ بحلها ، فقال :
- اكْتُبْ للدكتور حسام كامل نائب رئيس الجامعة !
ذكرت للدكتور حسام ، أن هذا المؤتمر مهم بكونه عن لغتنا في بلد لا ينطقها ، وأن مشاركات كليتنا في مثله نادرة ، وأنني محتاج إلى زيادة مساهمة الجامعة أكثر من أربعة آلاف جنيه ؛ فقضى لي نيابة عن رئيس الجامعة ، بمساهمة الجامعة بثمن التذكرة فقط !
جريت بموافقته حتى استخرجت استمارة الفرق ، ليخرج مبلغ ثمن التذكرة كاملا ، في شيك واحد سعيتُ به إلى مكتب مصر للطيران بحَيِّ المهندسين ، ولم أنتبه حتى نبهني أحد مسؤوليه :
- ينبغي أن تصرف الشيك أولا ، ثم تأتيني لأستخرج لك التذكرة !
وهَوَّنَ عليَّ بقرب البنك ، ولكنني لما وصلت إليه على قربه ، وهو " البنك المركزي المصري " ، الحكومي - كانت الساعة قد تجاوزت الثانية قليلا ، وكان الموظفون قد هربوا لبيوتهم إلى الغد !
نبهتني السيدة الأستاذة أختي ، أن أوجز البحث في لوحات من خلال برنامج البوربوينت :
- ستجد المشاركين هناك ، لا يتحدثون إلا من خلاله .
لَبَّثْتُ قليلا ، ثم أطعتها ، وأنجزت اللوحات على نحو لطيف ، تمنيت لو كنت سلكته في كل ما شاركت به في مؤتمراتي السابقة ، على قلتها !
جعلت أُقَدِّرُ ساعات السفر ، وأتخيل الأوقات الطويلة في الطائرات ؛ كيف تنقضي ! وأستثير استطراف أهلي وصحبي ، لما أُشْرِفُ عليه ، كيف أُذْكَرُ أنا وجمال عبد الناصر معا ! حتى كان يوم الثلاثاء 21/8 ، فصليت عشاءه مع مغربه جمع تقديم ، ثم لبست ، وودعت أسرتي ، وصَوَّرْتُها بمحمولي ، وهي كُلُّها علي الباب تشير إلي بالوداع !
وجدت سيارة تاكسي بجوار عمارتنا ، فأشرت إليها ، فقال سائقها :
- تركب على أن أوصل هذه الأشياء إلى الدكتورة ، ثم نمضي معا ؟
- لا بأس .
ذهب يدور في روضتنا العتيقة ، حتى وصل إلى عمارة ، فنادى بوابها ، فأعطاه الأشياء ، وذهب في طريقنا :
- من الدكتورة ؟
- الدكتورة هالة جبر ، أستاذة التحاليل بجامعة القاهرة .
سرني فيما بعد أن وجدت أسرتي تعرفها ؛ فقد ملأ لي السائق الوقت والمكان من حيث اتجهنا إلى حيث وصلنا ، بأخبارها الطيبة هي وزوجها وأولادهما ؛ حتى تمنيت لنفسي وزوجتي وأولادي ، مثل ما هم عليه من كرم الأخلاق وعُلوِّ الهمة ، ورأيت ذلك من التوفيق في مفتتح السفر إلى بلاد مسلمين ، لم يملأها الإسلام إلا بالأخلاق الكريمة والهمم العالية !
وصلت مبكرا من قبل أن يفتح المدخل إلى تنظيم دخول المسافرين وأمتعتهم إلى الطائرة ، فذهبت إلى مقهى ميلان الذي عَرَّفه لي قَريبٌ كريم ظريف ، أشرب القهوة الإيطالية ( الكابوتشينو ) ، ثم رجعت إلى المدخل ، فدخلت بحقيبتَيِ الكتف ( حقيبة الحاسوب المحمول ) واليد ، إلى مُنْتَظَرِ الدخول إلى الطائرة نفسها .
اشتغلت من خلال الزجاج بتصوير وجه الطائرة وجسمها ، ثم بتصوير جوفها من داخلها : إحدى طائرات الشركة السنغافورية ، تحفة رائعة ، مضيفات نحيفات رشيقات متحدات الحُلى والحُلَل ؛ فمن ذلك شَدُّ الشعر ولَفُّه كما تَلُفُّ الفلاحة المصرية شعرها المُحَنّى ، ومن ذلك الملابس اللصيقة ذات الورود المختلفة الألوان على أرض من الأسود أو من الرمادي على حسب عمل المضيفة فيما ظنننت ، تبدو بها مزخرفة زخرفات متداخلة جميلة ، في معطف على إزار ملفوف لف الإزار الرَّجُليِّ العَرَبيِّ - ومضيفون قليلون مثلهن نحافة ورشاقة وروحَ حُلًى وحُلَلٍ ، ولكن زي المضيفات سنغافوري خاص ، فأما زي المضيفين فمشاع بين الشركات !
فَرِحْتُ أولا لمكاني بجوار الشباك ؛ فقد نويت تصوير السماء كيف نعلو السحاب وكيف يعلونا ! ولكنني أزعجني أن طال الوقت ، واحتجت إلى الحمام كثيرا ، وأن نام جاري الوحيد الذي خلا كرسيُّ ما بيني وبينه ، ولكنه بقي نومه مشكلة ، ولم أكن لأوقظه كلما أردت الحمام ، فكنت أتخطاه رافعا نفسي لكيلا ألمسه ، وربما كان يتغافل عني لكيلا يحرجني ! لقد كان أندونيسيا باندونجيا مسلما أزهريا ، ولكننا لم يستمر بيننا كلام ، بل أدركه النوم ؛ فاشتغل عني ، ثم أدركني تلفازي الخاص المعلق على ظهر مقعد مَنْ أمامي ، الممتلئ مواد مختلفة لا تتسع لها الأيام ؛ فاشتغلت عنه !
- ( يا عَذابي أَنا ) !
تعبت ولم أعد أرتاح على يميني ولا على شمالي ، ومن قريبٍ ما أوجعني ظهري ورقبتي ، ولم أراجع الطبيب إلا مرة واحدة ، عادني بعدها وجعي ؛ حتى عاتبتني أمي ؛ فقلت لها :
- أَصْبِرُ ؛ حتى إذا ما أُبْتُ بوجعي ، اتَّهَمْتُ فيه السَّفَرَ !
تُقَدِّمُ هذه الطائرة من القاهرة إلى سنغافورة وعَكْسًا ، وجبتين : ثقيلة بعد الإقلاع ، وخفيفة قبل الهبوط ، تَحُفُّهما التُّحَفُ الخفيفة من المأكولات والمشروبات ، فأما من سنغافورة إلى جاكرتا وعكسًا ، فتقدم وجبة واحدة خفيفة منفردة من حَفِّ التُّحَفِ ، ولكن صفة الخفة لا تخليها من معنى الوجبة الكاملة الطيبة !
بعد مدة من الوجبة الثقيلة في تلك الرحلة الطويلة ذات العشر الساعات والنصف ، تهدأ الحركات ، وتخفت الأضواء ، ويضطر الركاب إلى النوم إلا أمثالي ممن لا يطيعهم ما فَكَّروا فيه ، حتى ينسوه !
ثم قُبَيْلَ الرابعة والنصف ذهبت ، فتوضأت ، فأبت ، فتمكنت من كرسيّي ، ثم صليتُ سُنَّةَ الفَجْرِ وفريضته قاعدا ، مومئا ومنثنيا ، قليلا وكثيرا ، مُبْتَسِمًا لِذِكْرى صلاة عمرو موسى وزير خارجية مصر ، الطائريَّة ، في وصف وزير خارجية السودان !
ثم أحببت أن أرى السماء فجرا ، فإذا الشمس طاغية عليها !
- ( لا حول ولا قوة إلا بالله ، كان ينبغي أن أراعي طيراني إليها ) !
ثم بعد مدة أخرى كانت الوجبة الخفيفة ، ثم بعد مدة ثالثة أشرقت سنغافورة !
- ( يا سُبْحانَ اللّهِ ، " تَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقينَ " ، " عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ " ) !
جزر متقطعة ، كلها حقول خضراء منظمة ، وبحيرات طبيعية ومصطنعة ، وسفن كبيرة وصغيرة ، واقفة في عرض البحيرات ومتحركة ، ولقد رأيت الحيتان أو الدلافين ، تتحرك حركتها التي أطلعتنا عليها برامج عالم البحار المُتَلْفَزَة ، رأيتها ، رأيتها !
كنت أعرف أننا سنصل إلى جاكرتا بعد العصر ، فرأيت أن أصلي العصر مع الظهر ، من آخر هذه الرحلة " القاهرة سنغافورة " ، جمع تقديم ؛ فصنعت مثلما صنعت عند صلاة الفجر .
قاربت الطائرة الأرض ، فاقترب المطار ، بشَجَرِ أُطُرِه المُتَكَبِّرة ، ومِساحات ما بين مَسارات طائراته ، المُخْضَوْضِرَةِ ، وسُحُبِ سمائه المصطخبة ، وجَذْبَة وَقْعِه الخرافية !
ما أسهل ما خرجنا ودخلنا !
لما كان بين وصولي إلى سنغافورة وإقلاعي منها ، ساعتان – جُلْتُ في أَبْهاء الوصول ، والسوق الحرة ؛ فَأَعْجَزَتاني دقةً ، ونظامًا ، وجمالًا ، وبهاءً ، واختلافًا ، وبهرًا !
لن أذكر معارض الشركات الكبيرة ، المدهشة ؛ بحسبي بُحَيْرَة هذا الطابق العالي من المطار !
أجل بحيرة هذا الطابق العالي !
بحيرةٌ خمسة عشر مترا في أربعة أمتار ، تتحرك ملتوية ، تضيق وتتسع ، بأسماك كبيرة ملونة ، في إطار من حجارة بيضاء كبيرة ، تُذَكِّرُ تِلاعَ الجبال القديمة ، وأشجار مُخْضَوْضِرة ، وأزهار مُزْدَهِيَة ، ومقاعد مُخْشَوْشِبَة ملتبسة الملاءمة ، آية من آيات الإتقان والإحسان ، ونفحة من نفحات الجمال الرباني ، بقيت في الإنسان من فطرة الرحمن ، ينبغي لكل ذي عقل ، أن يتعلق بها ، وأن يعلق بها غيره !
اندهشت وقتا ، ثم جلت بين المعارض أرى ما أشتري ، فرأيت المعروضات كلها غالية ، لا سبيل إليها إلا بالدولار ، وقد خبأت مع النقود المصرية ، ثلاثمئة دولار لمطالب أهمها رسم اشتراك المؤتمر . ولكنني فتشت عن كاميرا ألكترونية حديثة ، حتى عرفت مكانها من أجنحة المعارض المحلِّقة ، ولم أقربها !
تَفَلَّتَ الوقت حثيثا ؛ فأقبلت على مدخلي المذكور ببطاقة طائرتي ، ولم يعق حركتي عائق ، وأنا الغريب ؛ فكُلُّ شيء مُوَضَّح ، والمَمَرّات مُتْعَة لِلْمارّين ! وصلت ، فدخلت ، فأثبت نفسي ، وأخذت بِطاقَتَيِ البيانات ، اللَّتَيْنِ سيحتاج إليهما مطار جاكرتا ، ثم قعدت أستوفيهما مَكْروبًا بِإِنْجليزيَّتِهما وعَرَبيَّتي القَويَّتَيْن ؛ حتى فَرَغَتا مني ، ثم حان الدخول ، فدخلت .
أخذت مكاني بجوار الشباك مرة أخرى ، عن يسار شاب رَسْميِّ الهيئة ، حَسَنِها ، كان قد وضع معطفه على مقعدي ، من بعد أن قعدت خطأً على مقعدٍ خلف مقعدي ، فلما نبهني صاحبه ، تقدمت إلى مقعدي بجوار الشاب الوسيم ، فتناول معطفه من دون أن ينبس بكلمة ، فاسثقلته ، واستكثرت عليه ملامح الشوام التي ضَوَّأَتْ وَجْهَه ، ولكنه طلب من أحد المضيفين أن يشتري له شيئا مما رآه معروضا بمجلة الطائرة ، وأعطاه بطاقته الفيزا ، فجاءه به ملفوفا ، ووقع له على ورقة سحب الثمن ، ثم لما ذهب عنه ، فك لفافته ، فإذا زجاجة خمر معتقة ؛ فقدرت أنه من نصارى الشام ، وبقيت أستثقله ؛ حتى طالبتني المضيفة بأن أحرك حقيبة كتفي التي وضعتها على الأرض إلى جهة معينة ، فضحك جاري الشامي الملامح ، وعبر بالإنجليزية عن أنها تصطنع تدقيقات الألمان ؛ فاتصلت بيننا أسباب الكلام :
- من أين ؟
- من مصر .
- وأنت .
- من إيطاليا .
- " إتلي " ، أم " إيتليانو " !
- " إيجبت " أم " إيجبسيانو " !
مصر تاريخ طويل !
- وجهك عربي !
- ملامح البحر الأبيض المتوسط !
كليوباترا .
- أنطونيو .
- إلى أين ؟
- إلى باندونج .
- عمل ؟
- أجل ؛ فأنا أستاذ بجامعة القاهرة ، أزور جامعة باندونج .
- وأنت ؟
- عمل كذلك .
باندونج أفضل من جاكرتا ؛ فجاكرتا أشد منها ازدحاما ، ثم باندونج أعلى مكانا ، وألطف جوا .
- أنتظر أن تكون الحرارة مرتفعة إلى الأربعين مثلا !
- هي أقل من الثلاثين !
فكيف كانت في مصر ؟
- مرتفعة ، ولا سيما عليك !
- ولا سيما أنني جئت من ألمانيا !
- كم لبثت فيها ؟
- أسبوعين .
- لابد أن الحرارة فيها تحت الصفر !
- فوقه بعشر درجات فقط !
- تُرى كم الساعة بباندونج ؟
- السادسة .
وصلنا ، وخرجت من الطائرة عن الممر المعلق بها إلى المطار ، فحَنَنْتُ إلى العربية التي في التنبيهات ، من بعد مطار سنغافورة الذي لم أقرأ فيه حرفا عربيا ، فإن سَمِعْتُه كان غريبَ الوجه واليد واللسان :
- ( هذه بلادي ) !
وقابلتني الموظفاتُ على أعمال دخول الوافدين ، محجبات بلا زينة ، حجابا موحدا ، وشعرت أنه شعار مقصود - وفراغُ المطار وقد حذرني أندي هادي زحامه ؛ حتى نبهني على المخرج والملتقى في الزحام !
طالبتني الموظفة بعشر دولارات ، تعريفة الإقامة القصيرة ؛ فغضبت أن لم يجهزها لنا المؤتمر ، وحاولت جهلا أن أثبت مجانيتها من دون جدوى ، وساعدني من دون فائدة ، شاب مصري يتكلم الأندونيسية طليقا ، ثم دفعتها ، وتحركت سريعا في فراغ المطار ، حتى خرجت .
هذا الشاب هناك ، ذو اللائحة عليها " المؤتمر الدولي للغة العربية " ، أندي هادي بلا ريب ، عرفته من قبل أن أرى لائحته ، بصورته التي أرسلها إلي من بعد أن أرسلت إليه صورتي مع ملف سيرتي ، ليقدمني المقدم بهذه ، وليلقاني الدليل بتلك .
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام !
- رأيتَ كيف عرفتُك بالصورة !
- وأنا كذلك عرفتُك بالصورة !
شاب ظريف لطيف أندي هادي ، مدرس بجامعة جاكرتا الحكومية ، حصل على الدكتوراه من جامعة شريف هدايات الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا ، في طبيعة القصص القرآني من خلال قصة سيدنا يوسف ، ويشارك في المؤتمر ببحثه " تدريس النصوص الأدبية من خلال تحليل عناصر القصة القرآنية : قصة يوسف نموذجا " .
خرجنا من المطار أنا وأندي وطالبان من طلاب اللغة العربية : محمد فؤاد الذي كان طالبا بكلية دار العلوم من جامعة المنيا ، وعَديّ الطالب بالفرقة الرابعة من تخصص اللغة العربية بجامعة باندونج التربوية ، ينطق محمد فؤاد اسمه شبيها بكلمة " عادي " ، من دون ألف ، يمزح بأنه شخص عادي !
كنت إذا مازحتهم ضحكوا كثيرا ، وجاملوني ، غير أنهم لم يعرفوا صَفْقَةَ الكف المصرية عند المزاح :
- نحن نكتفي بالضحك !
- ولكن أين أنتم عن كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ؟
- هي دار العلوم كتلك !
- لا ؛ أين الأبناء من الآباء ، أم أين التلامذة من الأساتذة ، أم أين السذاجة من الخبرة !
- لم يكتمل بيننا وبين جامعة القاهرة اتفاق على قبول طلاب ؛ فقد اشترطت جامعة القاهرة أن تفتتح أندونيسيا مقرا لطلابها وترعاه ، ولم تفعل أندونيسيا ذلك بعد !
- أرجو أن أوصل أصواتكم إلى جامعة القاهرة !
كنا قد وقفنا حيث ننتظر الحافلة التي تحملني أنا وحدي مع ركابها الغرباء ، إلى متجر باندونج الكبير ، الذي ذكروا لي أننا سننتقل بالحافلة إليه ، وحجز لي أندي مقعدي بها ، وجاءني بالتذكرة ، ثم رجع ليتلقّى الوافدين الآخرين .
لم تلبث الحافلة أن وصلت ، فحملت حقيبة كتفي ، وجررت حقيبة يدي ، ولم أدعها للسائق إلا قريبا من حافلته ، ثم قفزت إلى داخلها ؛ فقد هطلت السماء ، واستبشرت ، فقد تركت القاهرة ضاحية للشمس ، إلى حيث البرد والسحب والمطر !
زعم لي أندي أنها رحلة ساعتين ، فكانت إلى أربع الساعات أقرب ؛ كلما ظننت أن باندونج قد جاءت ، لا تأتي باندونج ، وكأنَّ على أَرْجُلِها نَقْشَ الحِنّاء ، أو على أَرْجُلِنا !
اشتغلت بتصوير المشاهد التي لا تكاد عين الإنسان تراها في حُلْكَةِ هذا الليل البهيم ، فكيف بعين المحمول الزائغة ، وكنت أريد بالتصوير غالبا ، الصوت المصاحب له ؛ فقد كنت أعلق بما يعن لي ، على ما لا يكاد يعن لي :
- ما هذا ! أما من مطبات في هذا الطريق ! كيف يعيشون !
القيادة من عن يمين السيارة ، والسير من عن يسار الطريق !
الانضباط يكفل سلامة السير في هذا الظلام المدلهمّ !
هذا كارفور متجر ماجد الفطيم الملياردير العربي الإماراتي !
وها هو ذا مرة أخرى !
وصلنا إلى جمع محتشد ، فإذا الأم تَهَشُّ لأبنائها المنتظرين ، فيُقْبلون عليها ، ويُقَبِّلون يدها ، وتَبَشُّ لزوجها ، فتُقْبِلُ هي عليه ، وتُقَبِّلُ يده !
هذا إذن متجر باندونج الكبير ! ظننته فندقًا ، وفرحت بالمقام الفخم الوثير الجميل ، فتحركت إلى مدخله سريعا ، وسألت بعض الجالسين على مقهى به ، فنبهني إلى مكتب عن يساري لا يلائمه ، فناديت به شخصا مشغولا بمكالمة ، فلما أنهاها جاءني ، فأطلعته على بيانات المؤتمر ؛ عسى أن يعرف حقي في الفندق ، فنادى شخصا آخر ، ثم نبهاني جميعا على الخروج من باب هذا المكتب غير الملائم ، فإذا امرأة عربية الملابس والملامح والبشاشة ، فقدرت أنها أستاذة مثلي مدعوة تنتظر فصل أمرها مثلما أنتظر ، فأقبلت عليها سعيدا بها :
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام !
- كيف حالكم ؟
- أهلا وسهلا ، الحمد لله !
لم أكد أستوثق من علاقتها بالمؤتمر ، حتى أقبل علي سريعا رجل عربي الملامح والبشاشة ، فقدرت أنه أستاذ مثلنا مشارك في المؤتمر :
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام !
- هل أنت مشارك في مؤتمر اللغة العربية ؟
- نعم .
- يبدو أننا سننتقل إلى مكان آخر ؛ كلمت الدكتور دودنج رئيس لجنة المؤتمر الآن ، فأرسل إلينا سيارة ، لتأخذنا !
- ( وا ضَيْعَةَ حَقّي في الفندق الكبير ) !
لم نكد نتعارف ، حتى قطعت تعارفنا السيارة ، فركبنا جميعا مع سائقها ، وقرينه الذي يعرف شيئا من اللغة العربية ، واتصل التعارف .
- أنا فلان .
- وأنا الدكتور محمد خاقاني أصفهاني ، أستاذ البلاغة العربية ، بجامعة أصفهان ، وهذه زوجتي .
- ما شاء الله ! أهي مثلك أستاذة للغة العربية ؟
- لا ، إنها رئيسة دائرة بجامعة أصفهان نفسها ، ولكنها تعرف العربية .
ولكنه قدمها فيما بعد ، على أنها وزيرة الحرب ( الدفاع ) ، فلما ذكرنا له أننا نقدمها في بلادنا ، على أنها وزيرة الداخلية ( الشرطة ) ، ذكر أَلّا فرق كبير ، بين وزارة الحرب ووزارة الداخلية !
- زاركم قريبا أستاذنا الدكتور سعد مصلوح ؟
- هو أستاذ بجامعة الكويت ، لما زرنا جامعة الكويت استضافنا في بيته ، وأكرمنا هو وزوجته الدكتورة الكويتية . لكن هل تعرف الدكتور يوسف عبد الفتاح ؟
- إنه أخي وصديقي ، ولولاه ما انتبهت إلى هذا المؤتمر - فالمؤتمرات لا تناسبني - ولا ألقيت له بالا ؛ فالاعتزال أغلب علي ! وهو مشارك في هذا المؤتمر .
- حقا ! إنه صديقنا ، التقينا أكثر من مرة ، وزارنا .
ولكنه يُتَوَفّى والده – رحمه الله ! – في أثناء المؤتمر ؛ فيعجز عن الحضور ، ثم يكون الدكتور خاقاني هو الذي يبلغني !
- إنه من المجتهدين في الاشتغال باللغة الفارسية ، وهو أستاذ الآن بجامعة هانكوك بسيول ، وقد صار مستشار رئيس مركز الدراسات العربية والإسلامية ، الذي يفتتحه في أكتوبر القادم بسيول ، السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية ، وهو المركز الوحيد في هذا الشأن بقارة آسيا ، ملقاة عليه مهمة إطلاع تلك الناحية من العالم ، على الثقافة العربية الإسلامية .
هذه بطاقتي .
- وهذه بطاقتي ، ولكن أليست غريبةً ممن يغلب عليه الاعتزال !
- ( لو تأملتها لعرفت في كآبتها حقيقة الاعتزال ) !
- إذا رأيتني أسمر ، فلا تعجب ؛ فإنه أثر الاشتغال بالعلوم العربية وآدابها ؛ وأنا مع ذلك أكتب الشعر بالعربية والفارسية !
- أحضرت مجموعة من كتبي هدية للمؤتمر ، ولولا هذا لأهديتك منها ؛ فأنا مشغول بالشعر والقصة ، ومتخصص للدراسات النصية النحوية ، وللدراسات النصية العروضية .
- أنا كذلك اشتغلت بالدراسات العروضية .
- ولقد درست اللغة الفارسية عَرَضًا ، بكليتي ، على أستاذنا الحبر الجليل الدكتور رجاء عبد المنعم جبر - أطال الله في النعمة بقاءه ! - حتى صرت أدعو دائما أنا ومحمد إقبال :
" امْنَحْني حَماسَةَ الرّوميّ
وَنارَ خُسْرو الدَّهْلَويّ
امْنَحْني صِدْقَ سَنائي وَإِخْلاصَه " !
ثم على الدكتور عبد العزيز بقوش - أحسن الله إليه ! - حتى صرت أترجم الشعر الفارسي في حكاية " يوسف وزليخا " ، إلى شعر عربي !
وصلنا إلى حَرَم تلكوم ( مركز الاتصالات ) حيث سنقيم ، فنزلنا من السيارة ، وانتظرنا قرين السائق ، أن يعرف أمر إقامتنا ، فجاءنا رجل فوق الخمسين ، على رأسه قلنسوة المتدينين منهم ، وتَعَرَّفَ إلينا ، فلم أنتبه كثيرا ، ثم اعتذر عن عدم وجود أماكن بتلكوم ، وأنهم سيأخذون لنا مكانا بالخارج :
- هه ، لا بأس ؟
- لا ، بأس !
- لا ، لا ، اطمئنوا ، لن تخرجوا ؛ لقد عثروا على مكان ، وإن كان خارج تلكوم أفضل من داخله ؛ فأنتم هنا بعيدون عن السوق !
- ( وما حاجتنا إلى السوق ) !
تمشينا وأمامنا السيارة بحقائبنا ، فقال ذو الخمسين والقلنسوة :
- غدًا الخميس نخرج في التاسعة صباحا إلى نزهة بالجبل حيث البركان ، ثم بالعين الحارة الفوارة حيث المياه المعدنية الصحية .
- لم أنم منذ يوم كامل ، فهلا تحركنا في الحادية عشرة !
ضحك ولم يجب .
صحبني ثلاثة من طلاب اللغة العربية – فقد أُشْرِكوا في أعمال المؤتمر على نحو واضح طيب ، لم أعهده - حتى غرفتي رقم مئة وعشرين ، التي أخذوا لي مفتاحها من مضيفي المبنى ، وفتحوها يطمئنون على أشيائها ، فوجدوا بعضا ، وفقدوا بعضا ، وإن لم يؤثر فيهم لا هذا ولا ذاك !
دخلتها في الحادية عشرة والنصف مساء بتوقيت باندونج ، وقلت لمحبوب عثمان ، أحد أولئك الطلاب :
- أريد أن أتعشى ، وأن أكوي بعض ملابسي ، وأن أهاتف أهلي !
لم أخرج منه إلا بهمة بعض صحبه أن يصحبني بدراجته البخارية ، إلى حيث أكلم أهلي ، فأما العشاء فلم يعد بالمطعم من يجهزه لي ، وقد عرفت من بعد أن الأندونيسيين ينامون مبكرا ويقومون مبكرا ، وأنني لن أجد بعد التاسعة مساء من محل مفتوح ، فذكرت القاهرة التي لا تنام ، يكمل بعض ساهريها بعضا ، فمنهم من يظل إلى الثانية عشرة ، ومنهم من يظل إلى الثالثة ، ومنهم من يناوب بين عُمّاله فلا يغلق أبوابه أبدا ، وكل أولئك عندنا بروضة مصر العتيقة ، فكيف إذا ذكرت من القاهرة شارع عبد العزيز بالعتبة ! – وأما الكي فربما تمكنا منه صباحًا قبل الحركة إلى الرحلة .
غيرت ثيابي مهدودا ، واتخذت من إحدى ملاءات السرير سجادة ، صليت عليها المغرب والعشاء جمع تأخير ، ثم ضبطت منبه محمولي على ما قدرت أنه موعد صلاة الفجر ( الرابعة والنصف ) ، وابتهلت إلى النوم ، متناسيا المهاتفة ، معولا على ثقة أمي بالله ، ورضاها عني ، ولكن هيهات !
لم يقترب نومي من سريرهم ، لا قبل الفجر ، ولا بعده !
قمت ، فتجهزت سريعا جائعا ، وخرجت إلى حيث تجمع بعض الأساتذة ممن عرفت وممن لم أعرف ، ثم انتقلنا جميعا إلى خارج المبنى ننتظر الحركة إلى النزهة المزمعة . وقفت مع من وقف ، وتعرفت إليهم ، فكان فيهم الدكتور كمال عبد العزيز أستاذ البلاغة العربية بكلية دار العلوم من جامعة الفيوم ، الذي يعمل بجامعة بروناي ، والدكتور عبد الله من جامعة أم القرى ، والدكتور خاقاني أصفهاني ، وآخرون شغلني بعضهم عن بعض ؛ حتى انتقلنا جميعا إلى الحافلة .
في الحافلة تَصَدَّرَ للتوجيه والتنبيه ، الأستاذ أوجس سلام ، مدرس اللغة العربية والعلوم الإسلامية بجامعة باندونج التربوية ، الخمسيني ذو القلنسوة الذي قابلناه أمس ، قائلا :
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته !
- أنا فلان ... يتكون اسمي من أوجس وسلام ، فأما سلام فعربية واضحة ، وأما أوجس فمن تفاؤل أبي بولادتي في شهر أوجسطس ! أصحبكم في نزهة إلى الجبل والعين ، ولكن قبل هذا نذهب إلى البنك الإسلامي ، لتغيروا ما معكم من دولارات إلى روبيات تستطيعون بها أن تشتروا ما تشاؤون من طعام وشراب ، وهدايا .
- ( طعام وشراب ، هذا أول النكث ؛ فأين كفالتهم ) !
- هذه النزهة على حساب المؤتمر ، سيكون فيها بعض الطعام الخفيف ، وفي السابعة وجبة العشاء ، قبل الافتتاح ، ولكم في الجمعة والسبت ، وجبتا إفطار وعشاء ، ثم يكون في مساء السبت اختتام المؤتمر .
كان البنك قريبا بحرم جامعة باندونج التربوية ، فجلنا فيها ذهابا إلى البنك وإيابا منه ، واطلعنا من معالمها على ممراتها الضيقة المحوطة بالحدائق ، وطلابها المختلطين المتحلِّقين على أرض حدائقها حلقات كثيرة هنا وهناك ، يتباحثون في شؤون أنشطتهم الصيفية :
- ما لهم متداخلين ذكورا وإناثا ، أما يجرئهم هذا على الفاحشة !
- لا ، لا ، بل يتعاملون عَفْوًا رَهْوًا ، لا تخطر لهم الفاحشة ببال ، وتحميهم تقاليدهم الراسخة !
في البنك تتابعنا صفوفا لتغيير الدولارات ، فاجتمعنا أنا والدكتور محمد خاقاني أصفهاني وأحد الأساتذة السعوديين الشباب :
- ما هذا يا دكتور !
بكم ريال إيراني تشترون الدولار ؟
لقد كانت لريالكم في زمان الشاه ، قيمة أكبر كثيرا مما صارت عليه فيما بعد !
- هذه حال عامة يا دكتور !
- هذه ضريبة صمودنا للبغي الأميركي الصهيوني ، ونحن راضون بما يمتحن به الله - سبحانه ، وتعالى ! - صدق جهادنا في سبيله !
ثم أقبل علي محبوب عثمان ، يعينني على أَلّا أؤخر الوفد :
- من أين أنتم ، يا أستاذ ؟
- من جامعة القاهرة .
- ما شاء الله !
- وفي أية سنة أنت ؟
- في السنة الرابعة .
- ما شاء الله ! ألا تحب أن تدرس بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة ؟
- هذه - يا أستاذ - أعظم أمنياتي !
لاحظنا أن الموظفين يتوقفون أحيانا عن التغيير ، وأن مصاحبينا من الأساتذة والتلامذة يشرحون للممتنعة دولاراته من التغيير ، أنها مختومة ، وأن هذا البنك الصغير لا يستطيع تصريفها ، فإذا أخذها أخذها بثمن بخس :
- غَيِّروا غير المختومة ، واتركوا المختومة للبنك الكبير بوسط المدينة !
- دولاراتي مختومة ، وإنما نختمها بالأردن ، لضمان سلامة الورقة من التزييف !
تفقدت دولاراتي الثلاثمئة إلا عَشْر دولارات التأشيرة ، فوجدت فيها مئة مختومة ، فنحيتها , وغيرت ما سواها ، وكنت أظنني دفعت للتأشيرة عشرين دولارا ؛ فطلبت تغيير مئة وثمانين ، وكتبت الرقم 180$ ، وأعطيتها المبلغ ، ثم انتبهت إلى أنها مئة وتسعون ، ونبهت الموظفة المحجبة بالبنك الإسلامي ، فصححت الرقم ، ثم غيرت المبلغ بمليون وستمئة وتسعة وسبعين ألف روبية ( 1679000 ) ، الدولار بتسعة آلاف وثلاثمئة وسبع وعشرين روبية ! ثم لما ركبت الحافلة ، جاءني محبوب عثمان بتغيير عشر الدولارات التي نسيتها من أول الحساب ، ولم تصححها الموظفة إلا في إحدى الأوراق ، ولم ألق لزيادتها بالا ، أمانة واضحة مباركة من البنك الإسلامي ، على رغم قول بعض زملاء نزهتنا ، فيه ، من قبل أن نصل إليه :
- البنك الإسلامي وراءنا وراءنا !
ذهبنا في سبيل الجبل ، وتريثنا قليلا بمكان ما ، نحمل زملاء من ماليزيا وبنجلاديش ، سُكِّنوا خارج تلكوم ، ويشتري أعضاء لجنة المؤتمر ما شاؤوا من مياه وطعام ، وزعوا منه علينا ، لكل واحد علبة مياه أكوا صغيرة ، وتفاحة ، وثمرة كالنبقة غريبة ؛ تلهينا بها ؛ حتى وصلنا إلى مَصْعَدِنا إلى الجبل ، فمضينا في طريق أوليٍّ تتناثر على جانبيه محال الخدمة الغريبة ، وأغرب ما فيها مطاعم صغيرة ، تجهز الطعام لمن يستريح جانبا على أرض مرتفعة قليلا ، مفروشة ، في وسطها خِوانٌ كالطَّبْليَّة المصرية ؛ حتى بلغنا مكانا أغرانا به أوجس سلام قائلا :
- تريدون أن تفطروا ؟
- نريد أن نشرب الشاي !
- وتشربوا الشاي ؟
- نعم !
- في هذا المطعم الذي عن يساركم ، ما تريدون ، فما رأيكم أن نفرغ من ذلك قبل صعود الجبل ؟
نزلنا على مراده ، فكان مطعما غريب الخارج والداخل والنظام والعمل والعمال والطعام والشراب والأوعية ، وهي الغرابة ينبوع الدهشة ، والدهشة ينبوع المتعة ، والمتعة ينبوع الصحة !
دخلنا جميعا ، ودخلت معنا طائفة ضخمة من الفتيان والفتيات ، كأنهم طلاب مدرسة ثانوية خاصة جدا ، بملابسهم الموحدة الجذابة ، وأجسامهم النحيلة الرشيقة ، وشعورهم الغزيرة الطويلة الفاحمة المسترسلة ، المجتمع فيها جمال الشعر الهندي وجمال الشعر الصيني !
أخذنا مجالسنا ، فإذا معي جماعة أساتذة جاؤوا معا من جامعة بروناي الإسلامية ، ثلاثة مصريين ( الدكتور عارف كَرْخي أبو خضيري ، والدكتور قرني عبد الحليم ، والدكتور حسن عبد المقصود ) ، وأندونيسي ( الدكتور عبد الرشيد شهودي ) ومعه ابنه ( علي فائز ) .
- ما هذا الشراب الأصفر الدَّوّار على القاعدين ؟
- شاي أخضر خفيف ، يستعملونه بدل الماء !
- لحم العجل !
- لحم الدجاج !
- السمك المقلي !
- أختار أنا وابني السمك المشوي !
- وأنا مثلكما !
ثم جاء كُلًّا طَبَقُه وسلطَتُه ، ووضع وعاء أرز طويل ، من خشب الغاب ( القصب ) ، بملعقة مثله ، بين الدكتور عبد الرشيد وابنه ، فلما لم يجئ غيره ، عرفنا أنه مشترك ، فتقاللناه فِعْلَ الجوعى ، فأخلف ظنوننا ، بمَغاصِه إلى عُمْقٍ لم ندركه !
تآلفت أنا والدكتور عارف منذ التقينا ، شاعر كبير ، أستاذ جامعي ، مولع باللغات ، متخصص للأدب القديم ، مشغول بالأدب الشعبي ، وكل ذلك خفيف علي ، قريب مني ؛ فخضنا كل مخاض ، وشجع بعضنا بعضا على تشقيق الكلام ، ولم يكن الدكتور عبد الرشيد بأقل ظرفا من المصريين ، بل ربما كان أكثر مصرية ، حتى إنه لما اختار كل منا أحب الطعام إلى نفسه ، شَجَّعنا عليه ، ثم غافلنا ؛ فدفع ثمنه كله :
- يا دكتور !
- أنتم في بلدي !
ثم خرجنا لنكمل صعودنا إلى مبتغانا ، فإذا طريق الأحلام السينيمائية ، الضيق الملتوي المتصاعد المحفوف بالأشجار الطويلة والقصيرة ، الغريبة ، التي لم تمر بخيال فلاح مصري ، ولا سيما أشجار الشاي التي كست المساحات الشاسعة الصاعدة بالمرتفعات ، الهابطة بالمنخفضات ؛ حتى بلغنا باحة واسعة فيها موقف سيارات نقل ركاب غريبة ، في مثل حجم حاملات البضائع بشارع عبد العزيز من القاهرة ، ولكنها مفتوحة من خلف غرفة القيادة كما تنفتح سيارات حمل ألواح الزجاج ، أو سيارات حمل صناديق البيبسي ، ولكن فيها الكراسي بدلا من الصناديق والزجاج ، فركبناها ، فصعدت بنا أكثر ؛ حتى ظننت أنها ينقطع نفسها ، ولكنها وصلت إلى القمة ، فإذا باحة أخرى كبيرة ، فيها باعة أشكال غريبة من المنسوجات ، ومن الخشبيات ، ومن الصخريات ، فتلقفني شاب منهم يبيع تَكْوينَيْنِ على هيئة نابَيْ فيلٍ صَغيرٍ ، يدعي أنهما من صخر البركان ، مكتوبا على أحدهما " لا إله إلى الله " – سبحانه ، وتعالى ! - وعلى الآخر " محمد رسول الله " – صلى الله عليه ، وسلم ! – سألته أول ما نزلت من سيارة القمة :
- بكم ؟
- بمئتي ألف روبية .
- لا أريد .
لم يقتنع الشاب بأنني لا أريد ، ولزمني حيثما ذهبت ، ينبهني على ما ينبغي أن أعتني به من المظاهر السياحية ، ويُسَرِّبُ إليَّ توسلاته أن أشتري منه ، ولولا رغبتي في شراء أشياء أخرى ، لربما أرضيتُه !
وأغرب ما في تلك الأشكال الغريبة ، تَكْوينٌ من عيدان الغاب ( قصب البوص ) ، كسفينة ذات صاريَيْن ، يمتد بين صارِيَيْها حَبْلٌ ، تَعَلَّقَتْ مُنْخَرِمَةً به تَكْويناتٌ صغيرة متدرجة الأحجام ، فيها قصب قائم وقصب نائم ، تخرج من القصب النائم عيدان ، يضرب البائع العود بعد العود بعد العود ، متدرجة ؛ فتخرج أصوات السلم الموسيقي ( دو... ري... مي... فا... صو... لا... سي... دو... ) - ثم أجزاء من علب بلاستيكية صغيرة ، مقطوعة من أسفل فُوَّهاتها ، مسدودة الفوهات بسِدادات مطاطية مشقوقة شقوقا خاصة ، إذا نفخها النافخ بطريقة ما صَوَّتَتْ كما يبكي الرضيع ، وإذا نفخها بطريقة أخرى صَوَّتَتْ كما يضحك ! - ثم أجزاء قصبية ، فيها عيدان دقيقة طويلة ، إذا نُفِخَتِ القَصْباءُ وحُرِّكَتِ العيدانُ من خارج لداخل فخارج فداخل ، صَوَّتَتْ كما يصدح بلبل !
ثم تمشينا إلى جهات المكان المختلفة ؛ فجهة إلى مُطَّلَعٍ على مهوى البركان الخامد منذ سنة تسع وستين وتسعمئة وألف الميلادية ، والدخان الباقي يتصاعد من جانبه ، برائحته النتنة كرائحة سوائل مصارف المنازل ، حتى إن الأندونيسيين أنفسهم ليحمون منها آنافهم – وجهة إلى سلالم إلى عُلّيَّةٍ مسقوفة بشجر القصب ، يُطَّلَعُ منها على الفضاء المطلق من فوق البركان وما حوله – وجهة إلى زقاق طويل ملتو تتوالى فيه المحال الضيقة عن يمين وشمال ، بكل ما يُظَنُّ أن ينجذب إليه السائح ، وأغرب ما انجذبتُ إليه محل على عتبته أقفاص حديدية صغيرة ، حُبِسَ في كل قفص فأر كالكتكوت الإنجليزي ، مع أرجوحة لا يمل من الدوران فيها ، ولا يدوخ ، اقتربت منها لأصورها ، فقال بائعها بعربية مكسرة :
- هذا ركيص ( رخيص ) ، ما في أكل ( لا يأكل ) !
ولا أدري من – لا ما - هذا الفأر الذي لا يأكل مهما يكن ضئيلا - ليتني مثله – وعهدي بالفأر من فئراننا ، لا يترك لنا ما نأكل !
ثم محل فيه شاب يَنْجُرُ قِطَعَ قصب غاب ، ضخمة ، يخرج منها أوعية ربما كان منها ذلك الذي قدم لنا فيه الأرز في المطعم !
ثم ذهبنا عن الجبل ، في سبيل العين الحارة الفوارة ، قال أوجس سلام يقيم علينا الحجة :
- هل تريدون الذهاب إلى العين الحارة الفوارة ؟
- نعم .
- إذن يدفع كل منكم خمسة وثلاثين ألف روبية ، أو ليكملها خمسين ألفا ، لأنه لا ينزل إلى المياه إلا إذا دفع عشرة آلاف أخرى !
جهزت لمحبوب عثمان الذي جاءني يحصل المبلغ ، خمسة وثلاثين ألفا ؛ فلم يكن يخطر لي أن أنزل إلى المياه ، ولا جهزت لمثل هذه المغامرة نفسي ، فطالبني بالخمسين ، فحددت له حدودي ، فتركني إلى أستاذه أجوس سلام ، يستفتيه ، ولم يعد إلي ، ولم يطالبني بقليل ولا كثير ، مكتفيا كما تبين لي ، بما دفعه زملائي ، إلا أنني أظن أنه أخذ مني فيما بعد عشرة الآلاف !
دخلنا حدائق العين الفوارة ، وتركنا الحافلة ناحية ، واتفقنا على ألا نتأخر أكثر من نصف ساعة ، لكي نستطيع أن نعود ، فنتعشى ، ونجهز أنفسنا لحفل افتتاح المؤتمر . ذهبنا نجول في مَرابِعِ المكان ، مستثقلين وسط هذا الجمال الباهر ، أن يَسْتَعْبِدَنا نِصْفُ ساعة !
لقد أقام الأندونيسيون على هذه العين المعدنية الحارة الفوارة ، مرابع من المُسْتَراحات الجميلة المختلفة ، والمماشي والمظاهر المدهشة ؛ فمن بحيرات صغيرة تسبح فيها أسماك كبيرة جميلة غير ملونة ، تُذَكِّرُ على حَرَجٍ أسماك بحيرة مطار سنغافورة - إلى حمامات سباحة كنت أجد بعض الشباب يخرجون منها ، لينطرحوا على بطونهم ، ليعالِجَ أجسامَهم بعضُ المدلِّكين - إلى شلالات بديعة تتهابط بجوارها السلالم إلى المقاعد المخشوشبة البديعة – إلى ممرات حول تلك المظاهر ، ضيقة ، صاعدة هابطة ، غريبة الشأن ، محوطة بالأشجار والأزهار !
أردت أن أصلي الظهر والعصر جمع تأخير ، فتتبعت أوجس سلام ، فعثرت على مسجد المكان وميضأته ، فأقبلت أتوضأ ، فناداني الدكتور نجم الدين أستاذ اللغة العربية بجامعة حسن الدين بولاية ماكاسار :
- تعال توضأ من هنا ، فالمياه هنا من مياه العين الحارة الفوارة !
أقبلت فرحا ، فتوضأت ، فلما مضمضت أحسست بلذعتها الغريبة !
- مياه مُسَكَّرة ، أليس كذلك ؟
- لم أشعر إلا بلَذْعة كلَذْعة الخَلِّ !
- صحيح ، إنها لكذلك .
قامت الصلاة ، فرَجَّحْتُ أن أدرك معهم مُتِمًّا ، العصر التي يصلون ، وأُعَقِّبَ بالظهر منفردا قاصرا ، مخالفا الترتيب حرصا على الجماعة ، تقديرا لعبد السلام العيسوي ، شيخنا بروضة مصر العتيقة !
دائما هنا يؤم إمامُ المسجد ، ولا يجامل أحدا بالتقديم ، وإن كان عربيا ! لا بأس ، ولكن لا يعبأ أحدٌ بأن تكون الكتف في الكتف ، ولا القدم في القدم ، ولا بُنيانُ الصف مَرْصوصًا ، ولا غرو ؛ فلم يعد العرب يعبؤون بذلك !
في خلال هذه الرحلة اشتغل شباب الأساتذة ذهابا وإيابا ، بالتعارف ، والمزاح ، والإِحْماضِ الذي ربما تناسوا معه من في الصحبة من زوجات بعضهم !
ولقد طغت على المزاح ، مسألة الاختلاف فيما ينبغي للجنة المؤتمر أن تتولاه هي " على حسابها " ، أو يتولاه كل مشارك في المؤتمر ، هو " على حسابه " – حتى شغلت الدكتور محمد خاقاني أصفهاني ؛ فقال فيها ما غَيَّرْتُ فيه من بعض طريقته في الإملاء ، إلى طريقتي :
" قصيدتي المهداة إلى الأخ أجوس سلام
يا إخوتي ، إن شئتم أن تأکلوا فهو على حسابکم
أو شئتم أن تشربوا فهو على حسابکم
أما إذا صليتم صلاتکم في أرضنا فهي على حسابنا
وإن تغديتم کبابا طازجا بشربة ساخنة
أو بِکُلا غازية باردة
فهو على حسابکم
لکنکم إذا تنشقتم هواء صافيا فهو على حسابنا
ثم إذا أردتم أن تبدأوا بجولة عابرة
إلى جَکَرْتا أو إلى باندونج أو أي مکان آخر
فهي علي حسابکم
أما إذا قررتم البقاء في مکانکم
فهو على حسابنا
مجمل ما أود أن أقوله يا إخوتي أنْ کل ما تلزمه روبية
فهو علي حسابکم
لکنّ ما لا يقتضي روبية
فهو علي حسابنا " !
ولكن أهم ما كان في خلال هذه الرحلة ، هو حديث ذلك الدكتور نجم الدين ، الذي عرف مصر والمصريين ؛ فقد قام بيننا في الحافلة ، يشرح طبيعة أندونيسيا والأندونيسيين ، مستحضرا طبيعة مصر والمصريين ، التي عَرَفها ؛ فتحدث عن العرب والصينيين الذين حلوا أندونيسيا جميعا ، فأما العرب فائتلفوا هم وأهل البلاد ، وذابوا فيهم ، وأما الصينيون فاختلفوا عليهم ؛ حتى رحلوا عنهم - وعن اللغة الأندونيسية ، وأنها كانت تكتب بالحروف العربية ، ثم صارت تكتب بالحروف اللاتينية ، وأنها إحدى مئتي لغة مختلفات بأندونيسيا ، ولكنها أقوى منها وأظهر عليها – وعن طبيعة أندونيسيا الجبلية ، وجوها اللطيف دائما وإن مال بالجبل إلى البرودة ، وسمائها الممطرة دائما ، وعن الزراعة وأنها الأرز والموز والشاي والقرنفل - وعن عادات العائلات ولا سيما في قبيلته هو ، وأنها إكبار الوالدين إلى حد التقديس ، بحيث لا يستطيع الولد أن يتحول عنه منصرفا ، بل يتقهقر إلى الوراء !
وصلنا إلى تلكوم ، فأقبلت على غرفتي أتحمم ، وأتجمَّل للافتتاح ، ثم نزلت إلى العشاء بالمطعم الذي كان بمبنانا نفسه ، فوجدت الدكتور قرني والدكتور حسن بملابس خفيفة ، خارجين وعليهما أثر الغداء :
- إلى أين ؟
- نلبس للافتتاح .
- ما أذكاكما ! هذا أفضل .
دخلت إلى المطعم فوجدت عن يساري طعاما متواضعا جدا على مائدة صغيرة ، لا أعرف فيه شيئا مُشَهِّيًا ؛ فوقفت عليه مع الواقفين مضطرا ، فجاءني المضيف ينبهني بالإشارة وقليل من الأندونيسية المشوبة بالإنجليزية والعربية ، على أن طعامنا بناحية أخرى :
- سيدي ، عربي هناك !
لم أفهم غير إشارته ؛ فذهبت مستبشرا ، فإذا طعام أفضل قليلا : شَرائِحُ بطاطسَ كبيرةٌ سَميكَةٌ قليلا مَقْليَّةٌ ( شِبْس ) ، وأرز ، ولحم ، وشربة خضراوات ، وسلطة ، ومياه ، ويوسفي ، نِعْمة كبيرة !
بهرتني شرائح البطاطس ، فاستكثرت منها ، ثم أقبلت بعد يوم كامل لم أكد آكل فيه ، ولم أتعش قبله ، على رغم استغرابي نكهة الطهو ؛ فلم أتجاوز بشرائح البطاطس القطعة الواحدة ؛ فقد صَدَّني سَهَكُها ( رائحتها السَّمَكيَّة الخاصة ) ، لِأَعْرِفَ مِنْ بعدُ ، أنها أرغفة خبز يختلط فيه طحين الحبوب المعروف لدينا ، وطحين الجَمْبري المجفَّف !
ثم ذهبت إلى حيث افتتاح المؤتمر ، فتلقفنا أعضاء اللجنة ؛ يطالبوننا بدفع الاشتراك ، وقد تفاوت ما علينا ؛ إذ قد أُدْخِلَ في التقدير حق الفندق عن زيادات الإقامة ، وكان منا من حضر مبكرا كالدكتور كمال عبد العزيز ، ومنا من حضر متأخرا كمثلي ، فرأيت فتاة اللجنة تطالب الدكتور كمال بمئة وسبعين دولارا ، فيستفسر ، ثم يدفع ، ولم أنتظر أن تطالبني بأكثر من المئة والخمسين المتفق عليها ، فبادرتها إلى التنبيه على موعدَيْ وصولي ورحيلي ، لتنتبه إلى قصر إقامتي ؛ ، فطالبتني بمئة وعشرين فقط ، وأعطتني شيكا بالمبلغ مكتوبا بهيئة غريبة كهيئة المئة والخمسين ؛ فقدمت لها مئة الدولار المختومة التي مَنَعْتُ منها البنك أن يَبْخَسَها ، وأضفت إليها آلاف الروبيات مما غَيَّرْتُه ولم أنفقه بعد ، وأخذت من إحدى زميلاتها حقيبة المؤتمر .
أخذت مكاني من حفل الافتتاح بقصر تلكوم ، وتفقدت حقيبة المؤتمر ؛ فإذا برنامج الجلسات خال مني ومن بحثي ، وإذا حال بعض الأساتذة المشاركين حالي ؛ فاشتكيت إلى الأستاذ أجوس سلام ، فسألني عن الجلسة المناسبة ، فأخبرته ، فأضاف إليها اسمي ، ثم وعدني أن يُعَدَّلَ البرنامج صباح غد ، وقد كان ما وعد .
بدأ الحَفْلُ ؛ فإذا شابان فتى وفتاة ، يقدم أولا الفتى فقرات الحفل بالعربية ، وتترجم ثانيا الفتاة كلامه إلى الأندونيسية :
1 كلمة الحق - سبحانه ، وتعالى ! - للحاج محمد علي ، قارئ القرآن ، الذي صَيَّحَ على طريقة قراء السرادقات المصريين ، في أوائل سورتي العلق ثم يوسف ، ولكنه أبدل خطأً ، من حروف أوائل سورة يوسف التي هي " ألر " ، حروفَ أوائل سورة البقرة التي هي " ألم " ، ولم ينتبه أيُّ أحد !
2 كلمة لجنة المؤتمر للدكتور دودنج رحمت هدايت ، رئيسها ، الذي عبر بالعربية عن سعادته باكتمال المؤتمر ، وأثنى على المشاركات الداخلية والخارجية ، وعلى التمسك باللغة العربية ، أحسن اللغات .
3 كلمة " اتحاد المدرسين للغة العريبة ( IMLA ) " ، للدكتور محمد لطفي زهدي ، رئيسه ، الذي عبر بالأندونيسية ثم العربية ، عن مكانة اللغة العربية الكبيرة في أندونيسيا ، التي تكبر يوما فيوما ، وأثنى على جهود المشاركين من الباحثين والموظفين .
4 كلمة " جامعة باندونج التربوية ( UPI ) " ، لنائب مديرها ، الذي عبر بالأندونيسية معتمدا على مترجم ، عن مكانة جامعة باندونج التربوية بين الجامعات الأندونيسية ، ومكانة اللغة العربية في جامعة باندونج ، وسائر معاهد التعليم بأندونيسيا ، وفي العالم كله ، وعن سعادته بالحاضر العربي النشيط الذي يظهر في مثل فضائية الجزيرة ، وعن تمنيه أن تتمكن اللغة العربية من العلوم والآداب كما كانت دائما . ومن طرائف ترجمة المترجم الفوري إلى العربية ، أنه تعثر في كلمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
د:محمد جمال صقر
كاتب التلال


عدد المساهمات : 5
تاريخ التسجيل : 01/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ   الأربعاء سبتمبر 01, 2010 7:33 pm

أولا كلنا نهنئكم جميعا بعقد هذا المؤتمر وهذه الندوة العالمية ، وندعو لكم دعوة خالصة بنجاح هذه الدورة ، وهذا المؤتمر ! كذلك طبعا نحن نرحب بجميع الإخوة المشاركين ، سواء كانوا من خارج أندونيسيا من السعودية من مصر من اليمن ومن دول إسلامية أخرى كماليزيا وتركيا ، ولا يفوتنا كذلك طبعا تقدير الإخوة أعضاء اتحاد مدرسي اللغة العربية ، الذين حضروا العام وشرفونا بعقد هذه الندوة ، وسعوا من أجل تحقيق نجاحها .
وفي الواقع ليس علي أن أقوم في هذه المنصة ، وليس لي الحق في إلقاء هذه الكلمات ، لأنني أعرف أن أمامي أساتذة دكاترة متخصصين في اللغة العربية تعليما وبحثا وتعميقا وتعمُّقًا كذلك ، وكما يقال في الفقه الإسلامي قاعدة إسلامية معروفة معتبرة " لا يُسْتَفْتى ومالك في المدينة " ! وكلكم - ما شاء الله ! - أئمة وملوك ! وأغنياء عن التعريف ، وأغنياء عن مثل هذه النصائح التي سألقيها أمامكم ؛ فـ" إذا وُجِدَ الماء في الواقع بَطَلَ التيمم " ! - ولكن أستاذنا الفاضل رئيس الندوة واتحاد مدرسي اللغة العربية ، الأستاذ الدكتور محمد لطفي زهدي ، شَرَّفَني بالمشاركة في هذه الندوة المباركة ، وهو أخ عزيز كنت معه منذ أن كنت أدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وإلى الآن بيني وبينه علاقة قوية ؛ فليس لي بد من أن أقبل تكليفه لي وتشريفه في الوقت نفسه ، بالمثول أمامكم من أجل إلقاء هذه الكلمة حول اللغة العربية وأهميتها ، ولا سيما في صياغة الفكر الإسلامي المعتدل ، والفكر الإسلامي الوسطي .
لماذا هذا الموضوع بالذات ؟
كلنا نعلم أن اللغة العربية هي لغة القرآن ، والآيات القرآنية هي التي أخبرتنا بأن هذه الأمة " أُمَّةً واحِدَةً " ، و" أُمَّةً وَسَطًا " ، فإذا كانت اللغة العربية وعلاقتها بالقرآن الكريم ، أعطت صيغة معينة لهذه الأمة ، لها سمة بهذه الأمة ، فإن السمة الأساسية هي كونها وسطا أو وسطية ، وهذه الوسطية في الواقع كما أن لها علاقة باللغة ، في الواقع في نظري تتعلق كذلك بناحية التخيل الذي هو تخيل إسلامي وسطي ، وتتعلق كذلك بالحياة الإنسانية الوسطية ، لأن مصطلح الوسط في الواقع ليس مصطلحا يمكن أن يقبل على أنه مصطلح ديني إسلامي فقط ، ولكن كذلك يمكن أن يفهم على أنه مصطلح إنساني عالمي مقبول لدى جميع الإنسانية .
هناك مقولة في الفكر الإسلامي معروفة لدى جميع الدارسين للفكر الإسلامي ، وهي أن العادة مُحَكَّمَةٌ أو مُعْتَبَرَةٌ ، أو كذلك ما يتعلق بقدسية العُرْف ، وكذلك ما يتعلق بقدسية الاجتماع ، فهذه القواعد كلها تنبئنا بشيء أساسي هنا ، وهو إمكانية اللقاء بين ناس وناس آخرين ، بين أمة وأمة أخرى ، بين منتسبين ومنتسبين آخرين ، بين مسلمين ومسلمين آخرين .
وعلى ذلك فنحن نعيش الآن في العالم ، حيث إن هناك ترويجا للضغط على الوسطية ، للضغط على الذين يعيشون بهذا الدين ، هناك ما يسمى بحركة الإرهاب ، هناك ما يسمى بحركة الانغلاق وعدم الاتصال بالآخرين ، وهذه التهم في الواقع تهم مُلَفَّقَة ، وليس لها رصيد من الصحة في الواقع الحقيقي إذا قرنت بما هو المطلوب قرآنا وإنسانا ، ولكن هذا هو الوضع الذي نعيشه الآن ، والذي يلقاه الإسلام ، وكلنا نذوق من مرارة هذه التهم .
ونحن كلنا أمة إنسانية أمة إسلامية ، كُرِّمْنا بهذه اللغة العربية ، كُرِّمْنا كذلك بهذا الوحي القرآني المحمدي ، وإذا ظهر ذلك فإن الله - عز وجل ! - قد سهل لنا طريق العقيدة ، من أجل تفهم القرآن ، واللغة العربية ، من أجل تطبيقها في مجالات الحياة المتعددة ؛ وعلى ذلك أنا أرى أننا إذا أردنا أن نحيا بالفكر الإسلامي الوسطي ، أو بالفكر الإنساني الوسطي ، فاللغة العربية هي من الإبواب الرئيسية التي عن طريقها ندخل إلى تفهم حقيقة الحياة وحقيقة الوسطية ، ولا سيما إذا عدنا نحن إلى القرآن ؛ فسنجد أن القرآن هو ذلك الكتاب الذي ليس كتابا وَحْييًّا آخِرًا ، آخر ما نُزِّلَ على رسل الله - عز ، وجل ! - فقط ، ولكنه مع ذلك كتاب عربي مبين ، يأتي لنا بكثير من الأوصاف الأساسية ، من أجل الحياة السعيدة بين أمة وأمة ، وبين الأديان الثلاثة .
وإذا جئنا نحن إلى أندونيسيا فسنجد أنها ليست هي هذه الدولة التي معظم سكانها مسلمون فقط ، وليست كذلك هي هذه الدولة التي مورِسَتْ فيها كثير من المفاهيم من أجل فهم القرآن ، ومن أجل فهم التدين ، ومن أجل فهم الحياة كذلك – بل سنجد أن هناك كثيرا من المذاهب ومن المدارس ومن الاتجاهات ، يحاول أصحابها أن يفرضوا علينا فهمهم الخاص عن طريق تفكيرهم الخاص الذي أقحموه على الآيات القرآنية .
من آخر ما سمعنا أن هناك بعض النشطاء في بعض المذاهب الفكرية في أندونيسيا - وقد تكون هذه المذاهب معروفة ومنتشرة خارج أندونيسيا - قد قالوا بأن القرآن ليس وحيا إلهيا ، إنما هو عمل جماعي يشترك فيه كل من الله - عز ، وجل ! - وجبريل - عليه السلام ! - ومحمد - صلى الله عليه ، سلم ! - ويستدلون على هذه المقولة بالآية القرآنية " إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإِنّا لَه لَحافِظونَ " !
قال هذا المفكر الأندونيسي : إن النص القرآني يأتي بهذه الصيغة " إِنّا نَحْنُ " ، " إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وَإِنّا لَه لَحافِظونَ " ، هذه الصيغ كلها هي جماعية ، هذا على قدر فهمه هو ، دليل قاطع بأن القرآن ليس عملا آحاديا ، وحيا من الله - عز ، وجل ! - نزل إلى رسوله - صلى الله عليه ، وسلم ! - بل عمل يشترك فيه كل مِنَ الله ، وجبريل ، ومحمد ، صلى الله عليه ، وسلم !
ماذا يريدون أن يصلوا في النتيجة الأخيرة ؟
إنما جاؤوا بهذا الفهم القاصر ليقولوا إن هذا القرآن عمل إنساني ، ليس عملا مقدسا إلهيا ، وبما أن القرآن عمل إنساني يشترك فيه كثير من الناس بعد رسول الله ، يشترك فيه الصحابة يكتبون ويسجلون ، ثم بعد ذلك ينشر على جميع العالم الإسلامي مطبوعا ، ويشترك في هذه العملية عُمّالُ الطِّباعة المشتركون في العملية الطباعية ، ثم كلنا نحن نشترك في نَقْل هذا القرآن !
يريدون أن يصلوا إلى أنه إذا كان هذا القرآن عملا إنسانيا ، يعني ذلك أنه خاضع للزمان وللمكان ، خاضع كذلك للتفسير الزماني والمكاني ، خاضع كذلك لئلا يرجع إليه نهائيا ما دام عملا إنسانيا كغيره من الأعمال الإنسانية !
ولكن بفضل الله كما ثبت سلفيا ، لا يُمَكِّنُ الله - عز ، وجل ! - أية محاولة تحريفية ، من تحريف القرآن والتأويل ، بل يقيض الجهابذة الذين يَتَوَلَّوْنَ التصحيح ، ويوضحون المفهوم الصحيح تجاه هذه الأمور التي حاول الخبثاء الجهلاء المدعون تحريفها ، وحاولوا كذلك تَعْويجَها ، من أجل يصلوا إلى نتيجة هي في الواقع نتيجة غير صحيحة .
هناك مَنْ يُفَنِّدونَ في الواقع مثل هذه المقولة الخاطئة ؛ فَيَسير فَهْمُ القرآن في مَجْراه الصحيح .
ولكن كيف يعرف أن هذا الفهم صحيح أو غير صحيح ، وسطي أو غير وسطي ، إنساني أو غير إنساني ؟
في الواقع التعرف عن طريق اللغة العربية ، والعودة إلى الكتب المعتبرة في اللغة العربية ، هي خير معين وخير مساعد للوصول إلى مثل هذا الفهم الوسطي الصحيح .
ولكي لا يستطيع الناس والدارسون ، ولا يتمكنون من العودة إلى مثل هذه الأساليب الصحيحة المعتبرة ، والفهم الوسطي لمثل هذه الآيات القرآنية ، إلا عن طريق التعليم والتدريب ، ولا يمكن أن يكون هناك تعليم وتدريب صحيحان ، يمكن عن طريقهما الوصول إلى نتائج صحيحة - إلا عن طريق المدرسين والمعلمين ، الذين لهم هذه القدرات العملية على المستوى الرفيع ، من أجل التعلم الصحيح والتدريب البارع ، في توصيل هذه المفاهيم الصحيحة الوسطية إلى جميع الدارسين ، ثم إلى جميع المتعلمين ، ثم إلى جميع المسلمين ، ثم عن طريق الفهم الصحيح والعمل الصحيح من المسلمين ، تصل هذه المفاهيم القرآنية الصحيحة إلى جميع الناس .
ومن أجل مظاهر من سوء فهم القرآن ، متعلقة بالشكل غير الوسطي ، وبالشكل الإرهابي ، وبالشكل الانغلاقي - قال خصومنا إن التاريخ القرآني تاريخ تشددي ، تاريخ غير وسطي - واستدلوا على ذلك بأن ما جرى في المجتمع الإسلامي ، هو هذا الفهم المغلق ، هو هذا الفهم غير الوسطي .
إن من الصعب جدا علينا أن نقول لهم إن المقبول عالميا والمقبول منطقيا ، ليس ما فُهِمَ خطأ عن التدين ، عن الدين ، عن لقائنا ، عن العلم - بل المفهموم منطقيا وعالميا ، هو المفاهيم الأساسية المقبولة والمؤكدة والثابتة ، التي عن طريقها يعرف الناس الذي نريد نحن أن نفهمه . فإذا رجعنا إلى هذه القاعدة فسنجد أن حقيقة القرآن وعلاقتها بالعمل الإسلامي والعمل الإنساني ، ليست هي ذلك الفهم المعوج والخاطئ حول القرآن ، ولكن أن نعلم :
كيف يفهم رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - القرآن ؟
كيف يطبق القرآن ؟
كيف يعلم القرآن لأصحابه ؟
كيف عن طريقه نجح رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - في صياغة الفهم الإسلامي المعتدل ، الفكر الإسلامي الوسطي ، وتصحيح الأفكار المنحرفة ، الأفكار المتشددة ، الأفكار المتطرفة ؟
كيف صحح مفاهيم بعض أفكار الذين جاؤوا إلى بيوت أزواجه ، يسألون عن كيفية تعبد رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - وكانوا يطبقون مفاهيمهم الخاصة ؟
لما علم رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - ما حصل ، سرعان ما ذهب إليهم ، ودعاهم إلى تصحيح مفاهيمهم وتصحيح فكرهم ، وأقسم بالله : " أَما وَاللّهِ ، إِنّي لَأَخْشاكُمْ لِلّهِ وَأَتْقاكُمْ لَه ، لكِنّي أَصومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيْسَ مِنّي " !
عن مثل هذه الحادثة وعن مثل هذا الحديث ، أرانا رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - كيف يفهم الإسلام ، وكيف يفهم القرآن ، وكيف يعلم القرآن لأصحابه ، وعن طريقه يصحح بعض الأخطاء التي قد تحدث من الأفكار ومن الأفهام ، وكلنا نقتدي برسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - في فهمنا للقرآن ، وفي فهمنا للغة العربية ، وفي تعليمنا وتعلمنا للغة العربية ، وعن طريقه كذلك - إن شاء الله - سنستقبل النجاحات في تعميم هذه الأفكار الإسلامية المعتدلة ، ودحض تلك المحاولات الآثمة التي تأتي بالمفاهيم القرآنية غير الصحيحة ، التي عن طريقها تكون المفاهيم غير الوسطية ، وإن تكفل الله - عز ، وجل ! - بحفظ القرآن ، وبوسطية فهم القرآن ، وبالأمة الوسط ، كما هو محفوظ في القرآن الكريم .
وجزاكم الله خيرا كثيرا على هذه المناسبة الكريمة ، وجزاكم الله خيرا على مشاركتكم في هذه الندوة !
وإذا عقدت هذه الندوة هنا في مدينة باندونج ، وكلكم فيما أعتقد - ولا سيما الأساتذة المشاركون الذي جاؤوا من الدول العربية الإسلامية ، ومن الدول المجاورة - تعرفون أن هذه المدينة ، هي المدينة التي عقد فيها حفل توقيع مؤتمر باندونج ، وهو المؤتمر الذي عن طريقه نشأت إيحاءات استقلال الدول الإسلامية ، والدول العربية ، وغيرها - فأدعو الله - عز ، وجل ! - أن تظهر بعد هذه الندوة إيحاءات أخرى ، من أجل انتشار اللغة العربية وتعليمها وتثقيفها ، وكذلك انتشار الفهم الوسطي للإسلام والقرآن !
وجزاكم الله خيرا كثيرا ! والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
8 كلمة الدكتور عبد الرحمن بن جميل القصاص ، في بحثه عن " توظيف لغة القرآن الكريم في تعليم اللغة العريبة لغير الناطقين بها " ، الذي تمنيت أن يُفَصِّلَ تأثير لغة القرآن الكريم أصواتا وصيغا ومفردات وتراكيب ، في تعليم اللغة العربية أصواتا وصيغا ومفردات وتراكيب – وعجبت أن يُسَفِّهَ من كلام العرب الجاهليين شِعْرَه ونَثْرَه ، رفعا لمكانة القرآن الكريم وهي رفيعة ، وكلامهم نفسه من مراجع تفسير القرآن الكريم – واستنكرت أن يجعل أئمة العربية من غير العرب ، وإنما العربية اللسان والتفكير ؛ فمن تكلم العربية وفكر بها فهو عربي ، وأي عربي أحسن عروبة من الدكتور هدايت نور وحيد !
9 كلمة فرقة الإنشاد الطلابية ، لطالبتين ، لا ريب في أنهما بتخصص اللغة العربية ، ولكنهما – ولله الحمد كله ! - تأخرتا عن موضعهما العجيب بعد الدعاء لعدم استعدادهما ! قعدتا على أرض المسرح ، وضربت إحداهما بعودين على آلة مسطحة ، مرصوصة القطع المعدنية المتفاوتة الأحجام ، شبيهة بالتي كنا نستعملها بمدرسة شجر الدر الابتدائية ، من مدينة بني سويف بصعيد مصر ، في موسيقا طابور الصباح وحصة الموسيقا ! – وغنت الأخرى بالأندونيسية غناء بطيئا خاصا ، ربما كان من المعاني الإسلامية !
10 كلمة الشاي والقهوة ، وقد أُخِّرَتْ إلى ما بعد نهاية الاحتفال ، وكانت بغرفة خلفية ، صُفَّتْ فيها المناضد عليها أنواع من الطعام الخفيف ، وخَزّان مياه سُخْنة ، وأكواب ، وأكياس شاي ، وليمون . وقد عرفت أن الأندونيسيين يبدلون الليمون من الشاي ، ويفضلون عليه كذلك الأعشاب المُقَوِّية !
بغرفة الشاي هذه لقيت الأستاذ الماليزي الدكتور صوفي بن مان الأمة ، الذي أطلعني سعيدا على أن اللغة العربية صارت مقررا إجباريا ببلاده ، وأنه كان ممن عملوا على ذلك بوزارة التعليم – والأستاذ الأندونيسي تولوس مصطفى ، رئيس فرع رابطة الدعاة الأندونيسيين بجوجا كارنا من ولاية جاوة ، الذي كان على علم واسع بمصر والمصريين وجامعة القاهرة وكلية دار العلوم ، فأنست له :
- ما ألطف اختياركم رمز اتحاد مدرسي اللغة العربية ( IMLA ) ؛ فنطقه دال بالعربية على " إِمْلى " ، مقصور " إِمْلاء " ، المصطلح العربي على ظواهر لغوية عربية مختلفة علما وتعليما !
- صحيح صحيح !
ثم حدثته عن إعجابي بالدكتور هدايت نور وحيد ، الذي حرصت على السلام عليه ، والدعاء له قبل أي أحد ، ثم رأيت الأندونيسيين يسرعون إليه ، ويقبلون يده ، وغيرهم يتهللون له ، ويعبرون عن إعجابهم به ؛ فأطلعني على مكانته الكبيرة بأندونيسيا والعالم الإسلامي كله :
- إنه رئيس مجلس الشورى ، إن بإمكانه أن يعزل الرئيس الأندونيسي ! ثم إنه نائب الدكتور يوسف القرضاوي باتحاد علماء المسلمين العالمي - ولكنني نفى لي هذه النيابة ، في أكتوبر من 2007م ، الدكتور وصفي عاشور ، أحد تلامذة الدكتور يوسف القرضاوي ! - ثم إنه مؤسس رابطة الدعاة الأندونيسيين التي أرأس أحد فروعها ، بل مؤسس كثير غيرها من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية .
- عن طريقك إذن أحب أن أعرفه أكثر .
- لدينا مجلة الجامعة للدراسات الإسلامية ، بالعربية والإنجليزية ؛ فهل تشاركنا فيها ؟
- ولكن أبحاثي في علوم العربية وآدابها !
- لا بأس !
- إذن أرسل إليك بحثي لهذا المؤتمر !
- لا بأس ، أهو مجهز لنقله إلى فلاشي .
- هات فلاشك آتك به غدا وعليه البحث .
كنا نتكلم مبتهجين بحقيقة الأخوة التي بيننا على ترامي أبعاد المسافات ، ونأكل معا ، وأشرب أنا الشاي الأحمر ، ويشرب هو الليمون بالماء السُّخْن ؛ حتى اكتفينا ، وتركته على الوعد بالبحث على فلاشه .
وفي غرفة الشاي لقيت كذلك الأستاذ منذرا ، السوداني الفاضل ، معلم اللغة العربية ، المتزوج من باندونجية أول ما تزوج :
- سبحان الله ، كيف ائتلفتما !
( هِيَ شاميَّةٌ إِذا مَا اسْتَقَلَّتْ وَسُهَيْلٌ إِذا اسْتَقَلَّ يَماني ) !
- سبحان الله ! مُسْلِمان ، عَرَفَتْ من العربية ، وعَرَفْتُ من الأندونيسية ؛ فلم لا نأتلف !
- أنجبتَ منها ؟
- ثلاثة أبناء .
- وكيف وجدتها ؟
- خير زوج ، فالأندونيسيون طيبون .
- ولكن تقاليدكما مختلفة !
- كان الأمر أسهل منه في السودان .
كنت أكلمه ممتلئا عروبا وإسلاما ، مكتسيا تودده خالصا ؛ حتى استأذنته ، وخرجت ؛ فإذا مَعْرِضٌ قريب : كتب وأقراص وأشرطة ، في تعليم العربية والإسلام ، وملابس على وَفْقِ قِطَعِ زيِّهم الثلاث : العليا والوسطى والسفلى - فأقبلت أتفقد شيئا أشتريه لأسرتي ، فإذا منذر خلفي يبتسم قائلا :
- هي على أحجامهم ، غير مناسبة لأحجامنا !
- معقول !
- وأنا حين أشتري لأهلي بالسودان ، أبحث عن قطع بالحجم العائلي !
- فكيف أفعل ؟
- تذهب إلى سوق البلد .
- أهي قريبة ؟
- تركب لها مسافة قصيرة ، وتنبه السائق على اسم المكان فقط .
- وفي الإياب ؟
- هذا الإياب هو المشكلة ، لأنك لا تركب من المكان نفسه ، بل تمشي إلى مكان آخر .
- يا ربي !
- أستطيع أن أصحبك ، وبيتي قريب .
- أكرمك الله ! ولكن متى نذهب ؟
- وقتكم غدا مشحون حقا !
- إما أن نذهب بين الجلسات أو بعدها ؛ فسأرحل صباح السبت .
- انتبه إلى التاسعة مساء ، موعد إغلاق المحال !
- لا حيلة إلا أن أضيع بعض الجلسات ؛ فهي تملأ الوقت كله ، إلا وقت صلاة الجمعة ! لا بأس ، ألقاك غدا .
- ولابد أن تبكر إلى الحافلة التي ستقلك إلى مطار جاكرتا ؛ فلا تضمن أثر الزحام نهارا !
- أتحرك لها إذن في السابعة صباحا ؛ هذا أحسن .
- أندي ... ، أندي ... ، كيف حالك ؟
- الحمد لله !
- أسافر صباح السبت ؛ ينبغي أن أكون الثانية عشرة في مطار جاكرتا ، والحافلة التي زعمت أنها لا تأخذ من جاكرتا إلى باندونج ، غير ساعتين ، أخذت ليلا أربع ساعات ! والنهار أشد ازدحاما ؛ فكيف سيكون الأمر ؟
- تتحرك حوافل مطار جاكرتا من عند متجر باندونج الكبير ، كل ساعة ؛ فماذا ترى ؟
- ينبغي أن ندرك حافلة السابعة ؛ لا نعرف كيف سيكون الازدحام !
- سأنبه على محمد فؤاد ، أن يأتيك في الموعد - إن شاء الله - لينتقل بك إلى هناك .
- أحسنت ، بارك الله فيك ! ثم لدي مشكلة أخرى !
- خير ، إن شاء الله ؟
- لم أُطَمْئِنْ أسرتي بعد ؛ فهلا عثرت لي على من يصحبني إلى مكان أكلمهم منه !
- أستطيع أن أوصلك بدراجتي البخارية ، ولكن هذا المكان نفسه مركز اتصالات !
- انتظر قليلا حتى أرى لك .
ذهب أندي هادي بعدما اضطره كَرَمُ منذر ، ثم ناداني إلى مجموعة من لجنة المؤتمر ، فسلمت عليهم ، ثم أعطاني محمولا من محاميلهم :
- محمول مَنْ هذا ؟
- محمول اللجنة !
فشل الاعتماد على هذا المحمول ، فعثر على محمول آخر ظننته محموله :
- وهذا ؟
- كل محاميلنا ملك اللجنة !
ضحكنا أنا وهو واللجنة المتحلقة ، ثم ظهرت لنا مشكلة ضرورة فتح الخط الدولي – وليس عندنا مثل هذا النظام – فكلم التحويلة ، حتى عرف رقم الفتح ، ثم كلمت أبي وأمي ، فتبدد قلقهما ، ولم أكد أبدأ ؛ حتى اضطرب التواصل ، فاستقر ، فاضطرب ؛ فأحسست ألا حاجة بي ، ولا بهم ، ولا بأندي واللجنة - إلى أكثر من تَحيّات حَياتي !
- شكر الله لكم ! أندي ، بالله ، أرجو ألا يتأخر محمد فؤاد عن السابعة !
- إن شاء الله !
ذهبت إلى غرفتي ، وفتحت حاسوبي ، وصليت المغرب مع العشاء جمعا وقصرا ، ونسخت البحث إلى فلاش الأستاذ تولوس مصطفى ، ثم وصلت فلاشي المُسَجِّلَ لشحنه ، ثم ضبطت منبه محمولي لصلاة الفجر ، وفتشت في التلفاز عن شيء ، ثم مللت القنوات والإرسال ؛ فأغلقت كل شيء ، وأطفأت النور ، وتناومت حتى قمت لصلاة الفجر ، ثم تناومت حتى قمت للخروج .
تجهزت ، وذهبت للإفطار ، وانتحيت جهة مكاننا السابق ، ووجدت خبز الجمبري والأرز واللحم والسلطة ، فأصبت ما تَيَسَّر ، ثم سعيت إلى قصر تلكوم ، فلقيت في طريقي الأستاذ يسرينج سنوسي باسو ، من جامعة حسن الدين ، بولاية ماكاسار ، شابا فتيا ، وسيما قسيما ، مريح الملامح :
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام !
مضينا معا ؛ حتى إذا قاربنا قصر تلكوم ، ولم أكن أحفظ المدخل ، أشرت له أستشيره :
- نميل ؟
- نميل إلى ، أم نميل على ؟
- بل نميل إلى !
دخلنا ، ولم أنتبه إلى تَوْزيع الجلسات على قصر تلكوم وعلى غرفة الشاي ؛ حتى أوشكت أن أفرغ من الجلسة الأولى ؛ فإذا مدير الجلسة التالية ، الذي عرفت منه أن جلستي بغرفة الشاي ، وهي أصغر من هذا المسرح طبعا - وأندي هادي ، الذي احتجت إليه ؛ فكلفه مدير الجلسة التالية أن يأخذني إلى جلستي ، فذهبنا ، ووجدنا السابقة عليها ، قائمة لم تنته بعد ، فعدت إلى حيث كنت ، وتَعَهَّدَ أندي أن ينبهني إذا انتهت .
استمعت في هذه الجلسة الأولى بقصر تلكوم ، إلى الدكتور عباس عبد الحليم ، يتكلم في " ملامح التفكير الأسلوبي في البلاغة العربية " ، وكان كلامه مألوفا - ثم إلى الدكتور زياد الزعبي ، يتكلم في " تأثير شعر الغزل العربي في الشعر الألماني في العصور الوسطى " ، وكان كلامه طريفا لطيفا - ثم إلى الدكتور عارف كرخي أبو خضيري ، يتكلم في " النصوص الأدبية في منهج الأدب العربي للطلاب غير العرب في المرحلة الجامعية : دراسة نظرية تمهيدية " ، وكان كلامه طريفا لطيفا - ثم إلى الدكتور حسن عبد المقصود ، يتكلم في " استخدام القصص الفكاهية في تعليم اللغة العربية لغير العرب " ، وكان كلامه مألوفا – ثم إلى الدكتور قرني عبد الحليم ، يتكلم في " قراءة نقدية في ديوان فلامنكو للشاعر عارف كرخي أبو خضيري " ، وكان كلامه في زميله دليلا مثيرا على ظهور فضل الدكتور عارف ، علما وفنا !
ثم ذهبت عن هذه الجلسة إلى جلستي ، لأجد شباب الأساتذة الذين اشتغلوا في رحلة الحافلة ذهابا وإيابا بالتعارف والمزاح والإحماض ، ظاهرين على الجلسة بمِراحِهم وجُرأتهم بمكانة بلادهم في نفوس الأندونيسيين ، يستطردون إلى أفكار غير متمكنة في مسائل المؤتمر !
اشتملت الجلسة على ثمانية متحدثين ، ولم تتسع منصتها إلا لأربعة منهم ؛ فكانوا يتتابعون إليها واحدا واحدا !
نبه أندي هادي الدكتور أحمد مرادي ، الأستاذ بجامعة جاكرا الحكومية ، مدير الجلسة ، على مشاركتي ، فرحب بي ، فصعدت ، وقعدت صامتا متلددا ، بجوار الأستاذ الماليزي أبو سعيد محمد عبد المجيد ، يتكلم في " أساليب تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها " ، وكان قد أوجز من بحثه ، لوحات ، على برنامج البوربوينت الذي جهزت عليه مثله ، ثم ذهب يقرأ ما في كل لوحة دون نقص ولا زيادة ، صاخب القراءة صخبا وشديدا ، وكأنما حُذِّرَ مِنْ صَمَمِ المستمعين ! ولكن أَشْهَدُ لقد كانت فصاحة قراءته بالعربية إلا صَخَبَها ، فوق فصاحة تَحَدُّثِ الدكتور هدايت نور وحيد ، بها ، ولكن أين تلك من هذه !
ثم جاءني الكلام وقد حضرت صلاة الجمعة ، فخيرني الدكتور أحمد مرادي ، أنا والمستمعين بين الجلسة وبين الصلاة ، على أن يكون الأداء سريعا إذا اخترنا الجلسة ؛ فآثرنا الصلاة ، لنؤوب في الواحدة والنصف ؛ فنُمَكَّنَ من الكلام كيف شئنا !
أوثر في جمعة السفر أن أصليها ظهرا وقصرا ؛ فذهبت إلى غرفتي ، فإذا هدية مجانية عليها ورقة بـ(FREE ) : شَرابُ الفانتا ، وتفاحةُ الحمراء ، وشيكولاتة البسكويت ، وأصابع الشّيتُس !
أَيَّةُ سَحابَةٍ زاجِلَة ، في مَفازَةٍ قاحِلَة !
صليت الظهر والعصر ، ثم أكملت بالهدية إفطاري الغريب ، ثم تناومت قليلا ضابطا منبه محمولي على نصف ساعة لا يُنْتَظَرُ فيه نوم ؛ فنمت حقا ؛ فكانت هذه النومة ، هدية ربانية ، أهدى سبيلا ، فقد صحا من قبلُ يوماي وليلتاي ، وكنت مقبلا بعد دقائق على جلستي ، فكان النوم من أوائل التوفيق !
توضأت على عادتي كلما خرجت من بيتي ، ثم حثثت خطاي إلى مكان جلستي ، فصادفت الأستاذ يُسرينج سنوسي باسو ، الذي صحبته صباحا ، قد فتح حاسوبه المحمول :
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام .
- كيف حالك ؟
- الحمد لله !
- جلستك هذه القادمة ؟
- لا ، التي بعدها .
- وماذا تعمل ؟
- أنا أُدَرِّسُ بالجامعة استخدام الحاسوب في تعليم اللغات ولا سيما اللغة العربية ، وأقدم بحثي في هذا الإطار .
- هلا أطلعتني على طرف منه !
- هكذا ... ؛ أصطنع الآن برنامجا يأخذ بيد المتلقي إلى فهم فروق ما بين متشابهات ، تتفاوت سهولة وصعوبة ، من خلال مواقف حاضرة كموقف افتتاح هذا المؤتمر مثلا ؛ فهنا صورة يسأل البرنامجُ المتلقي عن شيء فيها ، ثم يُقَوِّمُ له إجابته ؟
- هذا عمل مهم ، نتمنى أن نضيفه إلى مقررات كليتنا !
- ولكنني لا أجد العربي الذي أنهل منه حقائق العروبة ومجازاتها !
- هذه بطاقتي ، راسلني ألكترونيا ، أكن في خدمتك .
- عذرا ؛ ليست معي بطاقاتي ، ولكنني سأكتب لك بريدي على ورقة الاتحاد .
- خطك جميل بالإنجليزية وبالعربية !
- لا ، بل خطي العربي قبيح ، أتمنى أن أحسنه هو ومهاراتي العربية كلها ؛ فالعروبة مهمة لنا كثيرا جدا .
- أكمل لي بيانات عملك .
قطع علينا الكلام حضور الدكتور أحمد مرادي مدير جلستنا ، فانتقلتُ إلى المنصة أنا والثلاثة الباقون من جلستنا الثُّمانيَّة التي لم يتسع لها وقت ما قبل صلاة الجمعة ، فانتهت عندي .
قدمني الأستاذ مرادي ، فسَلَّمْتُ ، وبَسْمَلْتُ ، وحَمْدَلْتُ ، وسَبْحَلْتُ ، وأقبلت أَهْدِرُ بشعر عبد السلام بن رغبان ديك الجن ، وشعرٍ لي قديم ، وأختدع المستمعين بدعوتهم إلى نقد النصين المتواردين ؛ حتى أرى رأيي في تعابيرهم ورسائلهم ، ثم هَوَّنْتُ عليهم الأمر ، بأن هذا هو ما فعلته في بحثي ، بطلاب السنة الأخيرة من تخصص اللغة العربية بكلية التربية من جامعة السلطان قابوس ، ثم أطلعتهم على مُلَخَّص بحثي ، ثم تَنَقَّلْتُ بين لَوْحات خُلاصات فُصوله ، ثم بين لوحات نتائج خبرتي بالتعلم والتعليم ، ثم بين لوحات منهجي في سياسة طلاب العلم ، ثم بين لوحات تدرجي بالطلاب في مقامات فقه القراءة والكتابة ، التي وضعتها تطبيقًا لمنهج سياسة طلاب العلم – حتى نبهني مدير الجلسة على الوقت !
ذهبت أقعد في مكان الدكتور جمسوري محمد شمس الدين ، الشاب الماليزي ، الذي أراد أن ينتقل إلى أمام حاسوب الجلسة ، ليجهز مادته – فمال علي الدكتور أحمد مرادي :
- بحثك جيد !
- أُرْسِلُه إليك ، إن شاء الله !
وبعد قليل ملت عليه ببطاقتي وفيها بريد لي ألكتروني قديم ، أضفت إليها خلفها بريدي الألكتروني الحديث ؛ عسى أن نتراسل بما يجمع بيننا على منهل ثقافي واحد .
قُدِّمَ الدكتور عرسان الرافيني بالجامعة الهاشمية بالأردن ، فتكلم في " تدريس اللغة العربية : تحديث المنهج " ، كلاما من بابة التيسير ، غير مألوف ، ثم تكلم الدكتور مهدي بن مسعود الأستاذ الماليزي ، في " اكتساب اللغة الثانية : الماليزي نموذجا " ، كلاما طريفا لطيفا ، وكان رزينًا محنكا ظريفا ، ذكر في عوامل أخطاء الماليزي في اللغة العربية ، اختلاف ما بين خصائص لغته وخصائص اللغة العربية أحيانا ، من مثل عدم تثنية المعدود ، على اسمه مباشرة ؛ فيقول : اثنان كراسة مثلا ، لا كما يقول العربي : كراستان ، ثم تمازح :
- ربما يقول العربي الآن : اثنان كراسة !
يومئ إلى ما يشيع الآن ببلاد الخليج العربية ، فرد أحد الأساتذة السعوديين الشباب :
- لا ، يا دكتور ، أخذناها منكم !
ثم تكلم الدكتور جمسوري محمد شمس الدين ، في " صعوبات تعلم اللغة العربية لدى طلاب العلوم الإنسانية ( علم السياسة ) في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا " ، كلامًا طريفا لطيفا كذلك ، فملت على الدكتور مهدي بن مسعود وقد أعطيته كذلك بطاقتي :
- تِلْميذُك ؟
- بمنزلة تلميذي !
ولما تطاول وقت هذه الجلسة الثُّمانيَّة المنقسمة على قسمين : رباعي قبل الصلاة ، ورباعي بعدها - اعتذر الدكتور أحمد مرادي عن عدم تمكنه من إتاحة وقت للمناقشة ، لكيلا نجور على أوقات الجلسات الآتية ، ودعا إلى شراء كتاب المؤتمر بثمانمئة وخمسين ألف روبية ، مَنْ أراد أن يتأمل أبحاثه ، فأقبلت أفتش فيه عن بحثي ، وفَرِحْتُ لِفِقْدانه !
انفضت الجلسة إذن ، ولم أشتغل بحضور غيرها ؛ فقد كنت مكروبا بسفر الغد ، ولمّا أُجَهِّزْ هدايا أسرتي !
وصلت إلى غرفتي ، فنضوت عني ثياب المؤتمر ، وتخيرت للسوق ثيابا ، ثم أقبلت أحث الخطا ؛ فإذا قطر السماء الأندونيسية يتساقط خفيفا مليئا عريضا ، يمس الأرض فيتفرطح وكأن القطرةَ حُبْلى قَطَراتٍ وَضَعَتْها حولي ، ثم ثقيلا ، ثم شديدا ، ولم أنتظر اشتداده ؛ فقد كنت بلغت جامع المورو صلاح بتلكوم ، فدخلت ولم أُصَلِّ فيه من قبل ، فصَلَّيْتُ تَحيَّةً ، ثم أَذَّنَ للعصر مؤذن لا أراه ، فخَمَّنْتُ أنه مُسَجَّل ، ثم خف القطر ؛ حتى سكت ؛ فذهبت عن الجامع ؛ فقد كنت صليت العصر مع الظهر جمعا وقصرا .
تَناسَيْتُ صحبة منذر ، وتَذاكَرْتُ نصيحة الدكتور عبد الرشيد :
- إذا خرجت من تلكوم ، فخذ يسارا ؛ حتى تصادف المتجر الكبير .
خرجت من المُجَمَّع ، وأخذت يسارا أخبط خبط عشواء ، أتفقد المظاهر الغريبة ، فلم أعثر على أي متجر كبير ؛ حتى انتبهت إلى محل لوازم رياضية ، أحسن حالا مما حوله ، فدخلت ، فحياني العمال بملامح وجوههم ، وحييتهم ، ثم فتشت لأولادي عن قطع ملابس وسطى وسفلى ، وعن ألعاب ، ثم حاولت أن أخرج بتخفيض ، فلم أفلح مع العمال الحاضرين ، ولا مع العاملة العارفة شيئا من الإنجليزية لا العربية ، التي أحضروها لي ، إلا فيما كتب عليه التخفيض من قبل ، فأخذت ما جمعته ، وذهبت من بعد أن سألتها عن مكان المتجر الكبير ؛ فنبهتني على ضرورة الركوب إليه .
ذهبت أماما ، فلم أجد إلا المحال الأندونيسية الخاصة الغريبة ، من مثل المتاجر والمطاعم والمشاغل والنوادي ، ومن النوادي نادي الشبكة العنكبوتية ، الذي يخلع رواده أحذيتهم من قبل أن يدخلوه ، ويقعدون على أرض مفروشة ، أمامهم حواسيب على مناضد عالية !
وقفت زاهدا في الأمام ، راغبا في سيارة تقطع لي مسافة ما مشيت ، فلما وقفت سألت سائقها عن المتجر الكبير ، فلم يعرفه ، ورطن لي بالأندونيسية ، فقطعت الحوار بشكره وتركه يذهب بنظرات بعض ركابه إلى الكائن الغريب فيَّ ، ثم أبت ماشيا في الشارع الضيق المزدحمة فيه سيارات الجهتين من دون أن يجور بعضها على بعض ؛ حتى وصلت إلى تلكوم ، ثم تجاوزته يمينا ، أمرُّ على مثل تلك المحال الأندونيسية الخاصة الغريبة ، حتى وصلت إلى الشارع الكبير ، فأخذت يسارا على ظن أنه اليسار المقصود أصلا بنصيحة الدكتور عبد الرشيد ، مكروبا بانعكاس طريقة السير عندهم ، حتى وصلت إلى جامعة باندونج التربوية التي زرناها من قبل ، وغَيَّرْنا مِنْ بنكها دولاراتنا .
وقفت عندئذ خائفا ، راغبا في سيارة تقطع مسافة ما مشيت ، فلما وَقَفَتْ سألت سائقها :
- تلكوم ؟
فأشار لي بالموافقة ، فركبت عن يساره ، لأنه أوسع ما في السيارة المصنوعة على أجسامهم ، مثلما صنعت ملابس معرض المؤتمر ، التي أَنْذَرَني عَدَمَ ملاءمتها مُنْذِر !
اجترأت على تفقد الناس من شباك السيارة ، فانتبهت أكثر ما انتبهت إلى طلاب المدارس الثانوية وطالباتها بأجسامهم النحيلة الصغيرة ، وأزيائهم المتبرجة ؛ حتى وقف السائق تحت لائحة التنبيه إلى تلكوم يمينًا ، وأشار إلي أَنْ سيسير أماما ، وطريقي أنا اليمين ، فنزلت مشيرا إليه أَنْ كَمِ الأجرة ، فقال ما لم أفهم ، فلما رأى حيرتي ، أخرج لي ورقة بألف روبية تساوي لدينا خمسين قرشا مصريا أو أقل ، فأعطيته مثلها !
لم أستحسن أن أؤوب بما معي من مئات آلاف الروبيات ، من قبل أن أنفقها فيما خرجت له ، فذهبت أماما ، ومررت كذلك على غرائب المحال الأندونيسية ، وصادفت في جزيرة الطريق شابين يَسْأَلانِ بالغناء ، على كوب نُحاس فيه بعضُ المال : واحدٌ يضرب على قيثارة ، وآخرُ يغني غناء غَرْبيًّا ، فلم أَسْتَحِلَّ أن أتصدق عليهما !
تقدمت قليلا ، فعثرت على بائع حلوى ، يحمل على ظهره عصا ، يتعلق بها من طرفيها وعاءان بحبال مناسبة ، يُذَكِّرُ بائع البوظة قديما بقريتنا ، كان أحدهما مفتوحا ، والآخر مغلقا ؛ حتى يفرغ الأول - يُخْرِجُ من الأول إلى طبق نحاسي مجهز ، كُراتٍ بيضاءَ وحمراءَ ، تعوم في شراب ، ثم يقطر عليه من زجاجة ، ما يشبه العسل ، ومن أخرى ، ما يشبه العصير !
ثم تقدمت قليلا ، فعثرت على بائع خبر الجمبري ، يَصُفُّه مُنَظَّمًا على ظهر مخزن عربته ، وكأنه خبيز اليوم ، لم يفرغ من بيعه بعد !
ثم تقدمت قليلا ، فعثرت يسارا على مبان كبار أحسن حالا مما رأيت من قبل ، فقطعت الطريق ، ثم تقدمت لأدخلها الأول فالأول ؛ فإذا متجر بقالة وأشياء أخرى ، فدخلته ، وجلت فيه أرى كيف ينظم مثله الأندونيسيون ، فرأيتهم مثلا يتيحون لباعة منفصلين عنهم ، أن يبيعوا أشياءهم أمام مدخله ، ثم رأيتهم يقطعون أجزاء الدجاج ، ويرتبون بعضها بجوار بعض على منضدة واحدة ، يكاد لا يفصل بينها فاصل ، ثم صعدت إلى فوقه ، فرأيت امرأة في ثياب الحرس الرسمية اللطيفة ، وأُمًّا ورَضيعَتَها مُحَجَّبَتَيْنِ بمثل ملابس معرض المؤتمر !
تفقدت الدور الثاني ؛ حتى عثرت على جانب الأحذية المنزلية ، وسيارات الألعاب الصغيرة ، والأدوات الكتابية ، فاشتريت منها .
ثم خرجت أتنقل ؛ فإذا متجر ملابس أطفال ، فدخلته ، فنبهتني الحارسة على شيء ، فلم أنتبه ، ثم نبهتني مشيرة إلى أكياس مشترياتي أن أضعها في الأمانات ، فانتبهت ، ثم ذهبت أجول فيه ، أميز الملابس المطلقة من شرط الأحجام والتقاليد الأندونيسية ؛ حتى عثرت على قطع قليلة ، بين غرائب كثيرة !
ثم خرجت أنتقل ؛ فإذا مطعم بيتزاهت غربي ، فرضيت بالإياب إلى تلكوم ، مارا بغرائب أندونيسية أخرى ، من مثل مشاوي اللحوم والأسماك معا المفتوحة على المارة ، ومطاعم الدجاج المسلوخ المسلوق المُبَهَّر المعلق من طرف رأسه مصفوفا ، وكأنه حصاد كتيبة إعدام إرهابية - ومن مثل السائل المُعَوَّق المتربع على الأرض برجل عليلة فوق رجل صحيحة ، على الكوب النحاسي نفسه ، فإذا وُضِعَ له فيه شيء خطفه سريعا خطفا ، ليظل فارغا يدعو المارين ، فوضعت له ثلاث قطع ، كل قطعة - أظن - بمئة روبية ، ثم ندمت أَنْ لم أُعْطِه غيرها ، وأحتفظ بها ، لأضمها إلى مجموعة عملاتي التي أجمعها منذ ثلاثين سنة إلا قليلا !
وصلت تلكوم مع أذان المغرب ، فدخلت الجامع ، ووضعت الأكياس عن أقصى يمين الصف الأول ، ثم انسلكت في الجماعة ، ثم لما فرغنا ، تَعَجَّلْتُ صلاة العشاء وحدي جمعا وقصرا ، ثم ندمت أن وجدت جماعة المصلين تجتمع عليها ، فلما فرغت أنا ، استندت إلى الجدار ، وجعلت أتأمل المصلين ، فوجدت الجماعة التي خسرتها مستمرة بإمام أندونيسي جميل الصوت ، وخلفها بعد ثلاثة صفوف جماعة أخرى !
مهما يكن اختلاف أحوال المصلين في بلادنا العربية ، لا تتعدد الجماعات ، إلا سهوا أو خطأ ، إلا أن تترك الجماعةُ الحديثةُ المكانَ ، للجماعة القديمة ، إلى مكان آخر من الجامع ، لا تُرى فيه معها !
وكلما رأيت مسالك إخواننا المسلمين الأندونيسيين تأكدت لدي مقالة أستاذنا محمود محمد شاكر - رحمه الله ! - " لا تَكْتَمِلُ مَعْرِفَةُ الْإِسْلامِ إِلّا بِمَعْرِفَةِ الْعَرَبيَّةِ " ، أو كما قال ، رحمه الله ! وأحسست أنها من فهم قول الحق - سبحانه ، وتعالى ! - : " لَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِروا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرونَ " ! وكذلك كانت كلمة الدكتور هدايت نور وحيد ، السابقة ، نفع الله به !
ذهبت أخرج من الجامع ، فوجدت الطالبات يصلين بركنهن على يمين الخارج ، في جلابيب صلاتهن البيضاء الربانية ، وربما دخلت المتبرجة هي وزميلها ، يتكلمان ، فتميل يسارا ، ويذهب أماما !
فلما خرجت وجدت بعض الأساتذة الأندونيسيين وأستاذا كويتيا بمعهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ، من جامعة الكويت ( الدكتور إبراهيم محمد ) ، فجاذبتهم الكلام فيما اضطرني إلى الانسلال من جلسات المؤتمر إلى السوق وحدي ، ثم فيما عجبت له من اضطراب نظام المؤتمر : برنامجه الذي خلا أمسِ مني ، وكتابه الذي خلا اليومَ من بحثي :
- لكنهم وعدوا أن يخرجوا بقية الأبحاث في كتاب ملحق .
- أسافر عنهم غدا ، فليبحثوا عمن يشتريه !
ذهبت عنهم إلى غرفتي ، ثم تخففت مما حملت ، ثم نزلت إلى المطعم ؛ فقد استهلكني المشي . فوجدت الدكتور عارف كرخي أبو خضيري والدكتور قرني عبد الحليم ، فدعوتهما أن نأكل معا ، فأصبنا من خبز الجمبري والأرز واللحم والسلطة ومياه العلب ذوات المِشَفّات ، ثم قعدنا عن جلسات المؤتمر زهدا فيها بعدما رأينا من اضطراب نظامها !
انضم إلينا بعد قليل الدكتور حسن عبد المقصود ، ثم الدكتور كمال عبد العزيز ، ثم الدكتور عرسان الرافيني ، ثم خضنا في كل علم وفن ، ثقيل وخفيف ؛ حتى هجم علينا من الأندونيسيين وشباب الأساتذة العرب ، بعقب المؤتمر ، مَنْ صَخِبَ في المطعم بما سموه حفل سمر ، بين عزف وغناء وإنشاد ، وبرع الخليجيون مرة أخرى في الإنشاد ، واستولوا على إقبال الأندونيسيين – ولكنني خرجت من هذا اللقاء ، بمعرفة الدكتور عارف .
رجل عالم فنان صعيدي ، لا تدل ملامحه الصعيدية القاسية ، على خصاله الفنية الرقيقة ، وحواره العلمي اللطيف !
ثم جاءنا أندي هادي ومحمد فؤاد ، وجمعتنا جميعا الصور التذكارية :
- أندي ، هذا محمد فؤاد ، أرجو ألا يتأخر عن السابعة من صباح غد !
- تأمل ؛ قد كتبت تفاصيل مواعيدكم أنتم والأساتذة جميعا !
- أكرمك الله !
- وهذان نوح وعارف ، طالبان بالفرقة الثالثة من تخصص اللغة العربية ، سيكونان عندك في السابعة .
- ومحمد فؤاد ؟
- لديه عمل يمنعه !
ثم ذهب بهما ، وطال مجلسنا ؛ حتى شهد الجالسون أنه أفضل أعمال هذا المؤتمر ! ولكنه انتهى ، وودع كل منا الآخر ، وافترقنا ، وفي طريقي من المطعم وجدت مجلسا آخر للدكتور محمد حُوَّر أستاذ النقد بجامعة اليرموك ، والدكتور زياد الزعبي ، والدكتور عرسان الفيلاني ، والدكتور فائز القرعان ، وربما كان معهم الدكتور عباس عبد الحليم . تمنيت أن أجالسهم حتى مطلع الفجر ؛ فَلا يزال بي إلى إخواني العرب والمسلمين جميعا ، ولا سيما العلماء والفنانون – شوق وحنين لا يفتران ، ولكنني خشيت أن أَثْقُلَ عليهم !
صعدت آسفا إلى غرفتي ، وجهزت حقيبتي ، وضبطت محمولي ، وتناومت حتى صلاة الفجر ، ثم تناومت حتى السادسة والربع ؛ فإذا الباب يطرق ، فأفتح ؛ فإذا نوح وعارف - خافا ألا أكون تجهزت - فنخرج معا ، فأمر على المطعم ، محتاجا ، زاهدا في الإفطار الأندونيسي ، إلى حيث سيارة زميل لهما ثالث ، من طلاب اللغة العربية كذلك .
انطلقنا ننهب الطريق الذي ستره عني الليل من تلكوم إلى متجر باندونج الكبير ، والدنيا كلها باكرة يقظة نشطة ، فكنت أصور كل طريفة أندونيسية لم أصورها من قبل ، ولا رأيتها ، من مثل غلبة الدراجات البخارية على وسائل الانتقال في الشوارع ، ومن مثل الدراجات الهوائية ذات الأرائك الأمامية المستعرضة ، ومن مثل أسواق باندونج الداخلية الممتلئة خضراوات وفواكه ومستلزمات أندونيسية ، وصورت مناظر بعض الشوارع الطويلة المحفوفة بالأشجار الملتقية الأعالي كمثل ما كانت عليه شوارع القاهرة الفاخرة " ثم زالت وتلك عقبى التعدي " :
- أليس اليوم السبت إجازة في باندونج ؟
- بلى .
- فلم كل هذه الجموع ؟
- يذهبون إلى التسوق .
- وهل نمر بمتاجر كبيرة ؟
- متجر باندونج الكبير نفسه ، مُتَسَوَّقٌ كبير جدا ، يذهب الناس إليه !
- وهل أستطيع أن أشتري منه ؟
- تفتح محاله في التاسعة !
- أين ترى ذلك المبنى الذي التقى فيه سوكارنو ونهرو وجمال عبد الناصر سنة 1955م ، لتأسيس جبهة عدم الانحياز ؟
- لقد مررت معنا عليه منذ قليل ، وتركناه الآن خلفنا !
- أظن أنه مزار سياحي ، ليتنا وجدنا وقتا لزيارته ، ولسوف يزوره المشاركون بالمؤتمر اليوم ، ولم يمنعني غير سفري !
- نحن نسميه جدون ساتي !
- وما معناه بالعربية ؟
- لا مقابل له في العربية !
- بل معناه اللحم المشوي على الـ...
- على المشكاك ، نسمي هذه الحديدة المشكاك ، فهو لحم المشاكيك !
- نعم لحم المشاكيك !
وصلنا قبيل السابعة والنصف ، فوجدنا الحافلة توشك أن تتحرك – ولا ريب في أنها حافلة السابعة ، تَأَخَّرَتْ ؛ فأدركناها ؛ وقد كنا عَجِلْنا لحافلة الثامنة - فقطعوا لي تذكرتي على حساب لجنة المؤتمر كما اتفقنا ، ونبهوني على بوابة السفر إلى سنغافورة ( D2 ) ، بأندونيسية تمنيت أن أحفظها ، وأراد السائق التحرك ، فودعتهم ، وقفزت إليه .
جهزت نفسي لرحلة طويلة أطول مما كانت ليلا ، أي ذات أربع ساعات أو أكثر ؛ فاشتغلت في طريق الحافلة بتأمل طبيعة البلد ، وتصوير أهم مناظرها ، فلم أجد أهم من مزارعها المستمرة على الجبال والسهول ؛ فإذا كانت الجبال كانت أشجار الشاي المتشابكة ، وإذا كانت السهول كانت حقول الأرز المنبسطة ، وربما اصطفت على الحواف ، أو استقلت بأنفسها أشجار السَّرْو المُتَكَبِّرة - ولا أهم من قراها المختبئة في أحضان مزارعها ، ببيوتها المثلثة الأسقف المزدوجة الطوابق المختلفة باختلاف أحوال أصحابها سعة وضيقا - ولا أهم من بحيراتها المسكونة بمزارع السمك ذوات الجدران من فِلَقِ أعواد الغاب ( القصب الأجوف ) . وكلما اندهشت بمنظر من تلك ، جاءني أشد منه إدهاشا ؛ حتى خرجنا من الريف إلى الحضر ، فإذا أبنية شاهقة ، وطرق نظيفة منظمة ؛ حتى بلغنا مطار جاكرتا .
مررنا على رصيف البوابات الطويل اللطيف ، قد ازدحمت عليه جماعات الناس جماعة جماعة ، كل جماعة على بوابة سفرها ؛ فكنت أتأمل الأسر الأندونيسية كيف تبدو ، مُتَحَفِّظَةَ المظهر ، أو مُتَحَرِّرَتَه ، أو مختلطة المظهر بتحفظ الكبار وتحرر الصغار ، وكلهن أسر مسلمة ؛ حتى جاءت بوابتي ؛ فنبهني السائق ومساعده ، ونزلت ، وتحيرت قليلا ، ثم دخلت مستدلا بـ"D2 " .
وصلت بُعَيْدَ العاشرة ، وموعدي الثانية عشرة ، فلم أشأ أن أحرج نفسي بالدخول مع الداخلين إلى الباحات الداخلية ، فجلت ذهابا وإيابا ، أتفقد المكان الذي لم أره في وصولي ، وربما لا أراه بعد اليوم ، وأتفقد الناس ، وما الأماكن إلا الناس !
هذه طائفة من الفتيات والسيدات ، تلبس الملابس البيضاء الإسلامية ، كأنهن الملائكة ، فقدرت أنهن في سبيل الاعتمار ، وهذه سيدة متبرجة تَشْتَفُّ المياه بالمِشَفَّةِ ، حتى إذا ما انتهت قامت إلى السلة فألقت زجاجتها ، وهذا مطعم :
- ( ... أريد أن أفطر ... ) !
أدخل ، وآخذ علبة بيبسي ، وكيس بسكويت ، وأدفع ثمانية عشر ألف روبية ! وهذا بنك :
- ( ... معي قرابة مئة وسبعين ألف روبية ونيفٍ ، أريد أن أغيرها إلى دولارات ... ) !
- معك ثلاثة آلاف روبية أخرى ؟
- لا .
فيرد علي البَنْكيُّ السبعين ألفًا ونيفا ، ولا يأخذ غير مئة الألف ، ليعطيني عشر دولارات ، وخمسين روبية تقريبا !
وهذه فتاة محجبة تقف على محل هدايا ، فأقبل عليها ، أتفقد ما عندها ، وأساومها ، ناسيا حدود ما معي ، فتسألني بالإنجليزية :
- لمن تريد ؟
- لابنتي .
- كم عمرها ؟
- خمس عشرة .
- تأمل هذا العقد بمئتي ألف ، وهذا السوار بمئة وخمسين ، وهذا بمئة ، وذاك ، وذلك ... !
- عذرا عذرا !
أذهب عنها أجول ؛ حتى تكتمل الاثنتا عشرة ، فأدخل أفتش عن الطيران السنغافوري ، فأنتبه إلى شاب صغير يفتش قبلي ، فأتتبعه ، فيهجم على مكتب فارغ ، ويعرض أوراقه في لمح البصر ، ويمضي ، فإذا المكتب لرجال الأعمال ، فأتركه إلى مكتب فارغ بجواره ، فإذا هو لهم كذلك ، وأُنَبَّه على طابور الدهماء ، فأنضم إليهم !
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام . معك حقائب للوزن ؟
- لا .
- هذه بطاقة " جاكرتا سنغافورة " ، وهذه بطاقة " سنغافورة القاهرة " .
- جميل .
- أريد منك مئة ألف روبية .
- لماذا ؟
فترطن لي بما لا أفهم ، فأشير لها إلى أن ليس معي ما يكملها ، فهل أذهب لتغيير الدولارات إلى روبيات ، فتوافقني ، وتمسك عندها بطاقتي الطائرتين ، فأذهب ، فآخذ بعشر الدولارات ، أقل مما بذلت فيها الروبيات ، ثم أعود لأكمل للمضيفة مئة الألف ، ثم أهم بالمضي ، فترى حقيبة اليد :
- ينبغي لك أن تترك هذه الحقيبة !
- ولم لا أحملها ؛ ألا ترين كم هي خفيفة !
- ينبغي ألا تزيد على عشرة كيلوات .
- أظنها كذلك .
نزنها معا ، فتكون أربعة عشر كيلو ، فأتركها لها مستريحا منها ، ثم أسألها عن جهة انتظار الطائرة ، لأمضي إليها ، وأمر في الطريق بسوق مطار جاكرتا الحرة ، لأجد محال هدايا خشبية وشبه خشبية ، لم أر مثلها من قبل ، فأدخل أبهاها ، أفتش عن هدايا بستة وستين ألف روبية وخمسمئة ، فأعثر على عقد خشبي بخمسة وعشرين ألفا ، وسوار خشبي ملائم للعقد بخمسة عشر ألفا ، وسوار خشبي منفرد بخمسة عشر ألفا ، وسوار بلاستيكي منفرد بعشرة آلاف ؛ فيتم الحساب خمسة وستين ألف روبية ، لتبقى ورقة بألف وقطعة بخمسمئة ، فأعطي الورقة عاملا يتكلم العربية ، نبهني على الصلاة ، ودلني على المصلى – فجمعت العصر إلى الظهر قصرا - وأستبقي القطعة لمجمع عملاتي !
جميل مُنْتَظَرُ طائرة " جاكرتا سنغافورة " ، من حوله الجدران الزجاجية المطلعة على المطار من أمام ، المحفوفة بالخضرة من يمين وشمال ، المشغولة بالمضيفات ذوات الأزياء الخاصة !
دخلنا إلى الطائرة ، فكان مكاني بين غَريبَيْنِ ، سلمت فلم يردا ، وبقيا غَريبَيْنِ ، فقعدت ، وانعكس ما سلف بطائرة " سنغافورة جاكرتا " ، ولكنني الآن في رائعة النهار ، أرى كل شيء واضحا جدا من بدء لمختتم ، أتشوف إلى سنغافورة لأتأمل خصائصها من فوق لتحت ، ومن خارج لداخل ؛ حتى ظهرت المراعي الخضراء الطويلة العريضة المقسمة تقسيما ملتويا دقيقا ، المحفوفة بالبحيرات ، المشقوقة بالبحيرات ، المختلطة بالبحيرات ، المشغولة البحيرات بمزارع السمك ، والسفن ، والحيتان أو الدلافين ، ثم ظهر سيدي المطار ، في حاشيته من أشجار السَّرْو المُتَكِّبرة ، بمسارات طائراته المُخَيَّرة بين الطرق المُسَفْلَتة ، والجزائر المخضرة ، ثم حطت الطائرة ، ودخلنا إلى جناح الوصول ، الطاغي الجمال ، الباغي المعارض .
الوقت هذه المرة قصير جدا بين الوصول والرحيل ، فأسرعت أفتش عن كاميرا ألكترونية ، هدية زوجتي ، أعرف أنها تسرها ، فعثرت عليها بمئتين وثلاثة وعشرين دولارا وثلاثين سنتا ، فأقبلت أسأل عن بنك المكان ، فدُلِلْتُ عليه ، فسألت البَنْكيَّة أن تعطيني مبلغ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
د:محمد جمال صقر
كاتب التلال


عدد المساهمات : 5
تاريخ التسجيل : 01/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ   الأربعاء سبتمبر 01, 2010 7:38 pm

الدولارات المطلوب للكاميرا ، بما يعادلها من العملة المصرية ، فقالت :
- لا ، لا ، لا نتعامل إلا بأميركي الولايات المتحدة أو السنغافوري !
أسرعت إلى القائم على الكاميرا ، أشكو له ، فقال :
- استعمل الفيزا ، أو اسحب بالكارت !
- لا أملك لا هذا ولا ذاك ، إلا النقود المصرية !
فلم يملك إلا أن يأسى لحالي !
ارتحت باليأس ، فأسرعت إلى حيث طائرتي ، فاختلفت علي الجهات ، فجعلت أختصرها بالأرضين المتحركة ، غير مرتاح إلى المناظر الباهرة ؛ حتى بلغت المكان المذكور على بطاقة الطائرة ، فوجدته مغلقا !
سألت بعض العمال ، فدلوني على أن في الأمر تغييرا ، وأنني يمكنني أن أتأكد من اللائحة الألكترونية المضيئة ، فعرفت منها صحة كلامهم ، وكان المكان الجديد بجوار القديم ، فمررت إليه ، فانتبهت من المكان القديم ، إلى عامل يكنس زجاجا مكسورا ، فعرفت سبب تغييره ، ثم رأيت الزحام والطابور الطويل ، فعرفت أنها طائرة القاهرة ، فوقفت في آخر الطابور ، والناس من حوله يائسون ، قاعدون على أرائك الانتظار .
رميت بصري إلى أول الطابور ، فإذا الموظفون بعد جهاز الحقائب ، يفتشون الناس رجالا ونساء ، فعرفت سبب الزحام ، فلما كنت في مكانهم ولم أُفَتَّش ، حَرَصْتُ عَجَبًا أَنْ أُصَوِّرَ نَموذجًا من تفتيش كلا الجنسين !
لم يبق وقت ؛ فكان كل من يفرغ من عبث المفتشين والمفتشات ، يمضي إلى الطائرة . أخذت مكاني بجوار شاب مصري ، كأنه لا يحب الغرباء ، ولا يحبونه ، بيني وبينه مقعد فارغ يزيدنا غربة ، وأخرجت كتاب " التفكير فريضة إسلامية " ، للعقاد ، الذي كنت أقرؤه في مكتبتي بروضة مصر العتيقة قبل سفري ، فجاءتني في خلال ذلك المضيفة السنغافورية ، ترطن بالإنجليزية ؛ حتى فهمت أنها تتوسل إليَّ أن أنتقل إلى مكان شخص آخر ، ليأخذ مكاني هو وشخص آخر معه لم يتح لهما القعود معا ، فسألتها عن تطرف المقعد الذي ستأخذني إليه ، ففهمت ، وأكدت لي أنه كما أريد !
لم أكن أدري أنه ستكون لي بذلك يد عليها طولى طول الرحلة ؛ تكثر أولا من شكري عليها ، ثم تكثر دائما من الحفاوة بي فيما تقدمه الطائرة من خدمات ! ولم أتحرج من هذه الحفاوة ، بل استعملتها في بعض المطالب ، فلم تتأخر ، إلا مرة واحدة ، ربما شَغَلَتْها فيها عني شواغل أخرى !
أقبلت أنظر في كتاب العقاد ، فوجدته يخوض في جمع فلاسفة المسلمين بين العقل والإيمان ، فبخلت به ، وتركته لسيد المقام ، من بعد أن وزعت علينا المضيفة السماعات الضرورية !
لم أكن أدري أن من الأفلام المحفوظة بذاكرة تلفازي ، أفلاما عربية ، فتشاغلت بفيلم أميركي خفيف ؛ حتى لمحت طفلة مصرية شيطانة تتابع فيلما عربيا ، فرجعت أقلب الأفلام حتى عثرت على الفيلم الذي كانت تراه ، مكتوبا اسمه بالحروف اللاتينية ، وكان فيلما خفيفا ، فلما فرغت منه قدرت أن ثمت غيره ، فأصبت ، وكان فيلما ثقيلا ، ولم أكن رأيت أيا منهما من قبل ، ثم فتشت عن غيرهما فعثرت على فيلم أميركي ثقيل غير مترجم ، فتابعته ؛ حتى وصل بي إلى مطار القاهرة !
كنت أتقلب يمينا ويسارا ، فوقا وتحتا ، لا أنام ولا أرتاح ، واستسهلت الحركة بتطرف مقعدي ، ولا سيما إلى الوضوء لصلاتي المغرب والعشاء ، على حين أَحْرَجَ جاريَّ الزوجين السنغافوريين مَوْضِعا مَقْعَدَيْهِما ، ولكنني كنت دائما أزيل عنهما الحرج ، وأتلطف إليهما ، وأسألهما دائما عن رغبتهما في الخروج ؛ حتى علقا عليَّ أملهما في حل مشكلة حقائبهما ، وهما المنتقلان بعد يومين في القاهرة إلى إصطمبول !
خرجنا جميعا من الطائرة إلى المطار ، قبيل الحادية عشرة بتوقيت القاهرة ، من مساء سبت 25/8 ، في احتفال من الزِّحام والرُّكام والسُّخام ، وكنت أسأل لهما ، وأجتهد دون جدوى في مصلحتهما ؛ حتى قالت السيدة وكانت أجرأ على الحوار ، وأعلم بالإنجليزية من زوجها :
- شكرا لك ، ITS OK !
وقفنا جميعا بين بطاقات البيانات المطلوبة ، المتناثرة ، وكنت قد أخذتها بمطار سنغافورة ، وملأتها ، واشتغلت بمحمولي الذي فتحته من بعد إغلاقه بالطائرة إلزاما ، فإذا رسالة أخي الدكتور فرحان المطيري في بعض المسائل اللغوية ، فأجيبها بعد فوات الأوان ، ثم تغلبني يدي على مهاتفة أسرتي بوصولي وأنا المغرم بالمفاجأة - ثم سلمت البطاقة الضابط المسؤول ، ومضيت أبحث عن مسار الحقائب ، الذي نَحَّوْه بعيدًا ، وأعلمونا أنها حقائب أربع طائرات ، فطمأنت نفسي وبعض الواقفين في هذا الموقف الكريه ؛ حتى رأيت حقيبة يدي ، فأخذتها خارجا ، ثم ذكرت السؤال عما أُخِذَ مني بمطار جاكرتا ، فدللت على مكاتب شركة الطيران السنغافورية ، فتحيرت ؛ حتى وصلت إليها حاملا حقيبة كتفي ، ساحبا وحاملا حقيبة يدي التي كانت قد انكسر عمودها من قبل ، فلم أعثر فيها ولا في المكان كله على أحد ، ولكنني عرفت بعدئذ بالمهاتفة ، أنها ضريبة المطار ، يضيفها مطار القاهرة إلى التذكرة ، ويأخذها غيره وحدها ، مثلما فَعَلَ مَطارُ جاكرتا !
خرجت ، فركبت حافلة المطار ، إلى حيث لاحقتني سيارة ظننتها لأحد زملائي ، رآني في ثَوْبٍ حالٍ ضَيِّقَةٍ ، فأبى إلا أن يَخْلَعَني منها ، ولا سيما أن بدت لي ملامحه قريبة :
- شكرا شكرا !
- إلى أين ؟
- منيل الروضة .
- اركب ، ولن آخذ منك إلا ما تعطيه سائق أي تاكسي .
- نعم !
- كم تعطيه ؟
- عشرين جنيها !
- يا رجل ، حرام عليك !
- خمسة وعشرين !
- سآخذ منك خمسة وثلاثين .
- سأعطيك ثلاثين !
- سأفتح لك المكيف !
- لا أريده !
- فاركب إذن !
- أعجبتني سماحتك ، وبمثلها تعمل ؛ فلا تقف ترعى المواقف !
- هذه سيارتي كما تراها جديدة ، ولدي سيارتا تاكسي عليهما سائقان ، أعامل شركة الليموزين ، فتكلمني في التوصيلة ، فأخرج أنا بسيارتي هذه إليها حرصا عليها .
- يعملان عليهما الأربع والعشرين ساعة ؟
- ولماذا هذا البغي ! يعمل كل على سيارته ، نوبة واحدة ، ثماني ساعات ، فماذا سأستفيد إذا هلكت السيارتان !
- جميل ! ولكن أين السائق المؤتمن !
- مستحيل الوجود ! لا أعني سرقة وارد السيارة ، بل أعني سرقة السيارة نفسها ، وهي أشد ! تُفَكُّ أَجْهِزَتُها ، وتباع قِطَعُها ، وتوضع مكانها قطع أخرى مُسْتَهْلَكَةٌ ، ثم يُسْتَغْنى عنها من دون أن يَظْهَر لهذا سبب !
- آه علينا وعلى بلادنا ! نملك ما يملكه أي شعب متقدم ، ولكننا نحتاج إلى تربية أنفسنا على معاني الإخلاص والإتقان ، في ضوء منهج عام من التخطيط والإدارة والرقابة !
- طبعا نملك ما يملكه أي شعب متقدم ! ماذا تعمل ، يا أستاذ ؟
- أستاذ جامعي .
- أهلا وسهلا ! أنا خريج سياحة وفنادق ، أعرف الإنجليزية والروسية ، عملت بالغردقة ، ثم بدبي ، في شركات دولية ، لم يكن للعامل فيها إلا الإتقان ؛ فقد كان يخاف الرقيب المختفي ، الذي يعاقب المقصر ، ويثيب المجتهد !
- ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ! ركبت مرة مع سائق تاكسي ، من المخترعين ، كان مدعوا حينئذ إلى مؤتمر الشركة العالمية التي قدم لها اختراعه ، ليعرضه !
- يا سلام !
- ولكن ما اسمك ؟
- مصطفى .
- وأين تسكن ؟
- قريبا منك بدار السلام .
- وما رقم محمولك ؟
- هو هذا ... .
- هل أستطيع أن أعتمد عليك في توصيل أولادي إلى مدارسهم قريبا ، بدلا ممن يوصلهم ؟ إنهم ثلاثة ، وربما انضاف إليهم بعض زملائهم ، فكان لك مبلغ لا بأس به ! لقد كانوا أربعة ، ثم تركتهم أختهم إلى مدرسة قريبة من البيت ، ثم يدركهم أخوهم الصغير بعد سنتين - إن شاء الله – فيعيدهم أربعة ، وهكذا ... !
- تحت أمرك ، ولا تفكر في المال !
- بارك الله فيك !
ورأيت ذلك من التوفيق في مختتم الإياب إلى بلادي المُضَيَّعة ، التي لن يقيم حالها إلا الأخلاق الكريمة والهمم العالية !
- جمال ، تعال ، احمل هذه الحقيبة ، وهذه الثلاثون جنيها - يا أستاذ مصطفى - وإن كان ينبغي أن تتفضل عليَّ بالزيارة !
- شكرا ، أكرمك الله !
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام !
- حمدا لله على السلامة ! لم تُطِلِ الغَيْبَة يا دكتور !
- الله يسلمك ! لكن أَطَلْتُ المسافة !
- السلام عليكم ! لا أدري لِمَ لَمْ أصبر حتى أفاجئكم على عادتي !
- عرفنا وصولك من المطار !
- ولكنني أفاجئكم الآن بما حَمَلْتُه لكم من ذكريات !
- وكيف وجدت الوقت !
- بَرَكات مؤتمر باندونج !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مُؤْتَمَرُ بانْدونْجَ بلا جَمالْ عَبْدُ النّاصِرْ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تلال عربية :: بوابة التلال :: * تلة المقـــــــالة ..-
انتقل الى: